Showing posts with label sectarianism. Show all posts
Showing posts with label sectarianism. Show all posts

Sunday, February 15, 2009

المسيحيون اللبنانيون وشياطين الشرق

وائل عبد الرحيم

لبنان الذي شغله التضامن مع غزة عن يوميات تناحره الأهلي الدائم، عاد إلى التركيز على استحقاقاته "المصيرية"، وإذ هو على أبواب انتخابات سيحدّد تمثيل النواب المسيحيين فيها حجم الكتل، نرى الأحزاب الرئيسية تتصارع بشكل محموم على زعامة المسيحيين فتزايد في التطرف الطائفي لتكسب العطف والتأييد، ويضخّ كل طرف فيها، من جماعة ميشال عون إلى القوات اللبنانية والكتائب، خطاباً تعبويا يضخّم مركّب الخوف على الوجود، سعيا وراء أصوات الناخبين، منضمّة في ذلك إلى التناحر الطائفي العام في البلاد*. كنت منذ فترة قد كتبت رسالة إلى صديق هي بين الجدّ والدعابة، وفيها" درس تاريخ" على سبيل النكاية، أنشرها تتمّة لمقدمتي هذه.

.. ألا توافق معي أن الحرب اللبنانية مسؤولة قطعاً عن الكثير من التشوهات السياسية.
لكن يا عزيزي تأثيرها على الثقافة كان أشدّ وطأة.
صحيح إن هذا البلد لم يعرف في تاريخه وحدة مجتمعية متماسكة، إلا أنه من الخطأ القول إنه لم يشهد تطوراً ثقافياً متيناً باتجاه ترسيخ هذه الوحدة في دائرة المشترك، وهي الدائرة التي نحتكم إليها في اتفاقنا على ضرورة بقاء هذا الكيان.
منذ إنشاء دولة لبنان الكبير بل وقبل ذلك، برز الأدب اللبناني المقيم والمهاجر كتعبير عن نهضة سياسية وأدبية اختزنت ما يمكن وصفه بعصر الأنوار اللبناني على المستوى الأدبي.
وليس صدفة أن تكون الغزارة الأدبية التي عبّرت عن نفسها من خلال مؤلفات أدباء لبنانيين بارزين قد اصطفّت في موقع النهضة المشرقية.
كذلك ليس خافياً أن أدب النهضة أو أدباء النهضة اللبنانيين كانوا بمعظمهم من مسيحيي لبنان، وعبّروا عن تطلعات تخطّت حدود لبنان وكسرت الطائفية التي كان الإكليروس يرى فيها النافذة الضرورية لعلاقة الرعية بالكنيسة، فاصطدم بعض هؤلاء بالكنيسة مثل جبران خليل جبران، وتجاوزها بعضه الآخر معبّرين عن نزعة الأدب للارتباط بقيم الحداثة وتجلياتها.
والتطلع العروبي لأدباء لبنان المسيحيين جعل الشاعر اللبناني البعلبكي خليل مطران يحوز لقب شاعر القُطرين (سورية ومصر)، والياس أبوشبكة اللبناني الكسرواني ينبري مع رفاقه في "عصبة العشرة" للدفاع النقدي عن الأدب العربي، وايليا أبوماضي اللبناني المتني ينشر مجلة السمير وينظم الشعر لفلسطين قضيته، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) يرفع شعراً راية محاربة الاستعمار والصهيونية في حينه، والأديب اللبناني البتروني مارون عبّود ينجب صبياً فيسمّيه محمداً وينشد شعراً:

"اُمّه ما ولَدتْهُ مسلماً أو مسيحياً ولكن عربي".

وهذا التطلع العروبي النهضوي التحرري، هو الذي دفع قبل ذلك اللبناني نجيب عازوري ليكتب دستور القومية العربية الأول بمفهومها الحديث، وهو الذي جعل يوسف ابراهيم يزبك ابن العائلة البيروتي يساهم في تأسيس الحزب الشيوعي في لبنان وسورية (كان حزباً واحداً)، وهو الحزب الذي أنجب قائداً بحجم فرج الله الحلو ابن بلدة حصرايل الجبيلية. والتطلع العروبي يدفع بفارس الخوري ابن مدينة حاصبيا اللبنانية إلى الخوض في معترك السياسة السورية فيصبح رئيساً للمجلس النيابي السوري المنتخب ديمقراطياً ثم رئيس وزراء في دمشق.
اللائحة تطول، وتصل بدايات القرن العشرين بالسبعينيات، ولكن العبرة فيها أن المبدع المسيحي في لبنان انفتح على آفاق أكثر رحابة أغنت ليس فقط التراث اللبناني بل والعربي ببعده الثقافي والسياسي المتنور.
الحرب اللبنانية وما تخللها من صعود للفئات الأقل تشبعاً بهذه الثقافة النهضوية (شياطين الشرق وملائكته) والأكثر قرباً إلى "الجيش الأسود" إيّاه، جعلت هذا التراث يُحنّط في متاحف الذكريات والشموع، وفتحت الباب امام جيل آخر من المثقفين الذين جعلوا عقيدة الخوف هي السائدة والردّ عليها بالعودة الى فكر الأقليات الذي كان سائداً أيام السلطة العثمانية.. فصار فكر الأقليات هو الموجّه والسائد، واستُبدلت أسماء كبيرة بأصحاب فكرة العاميّة وشعراء الزجل ونابشي قبور أحيرام (مع احترامي لعلماء الآثار الجادّين)، وبأدب لا يرى أبعد من حاجز المدفون، وكنيسة تقيم الحجر والعزل على المطران غريغوار حدّاد.
ورغم انتهاء الحرب لا تزال عقدة الأقلية هي التي تحكم سلوكيات النخب المسيحية المسيطرة في لبنان، وتشكل عائقاً إضافياً امام دور رائد وطليعي كان يمكن لمسيحيي هذا البلد أن يلعبوه كما سبق وفعلوا في التاريخ الحديث.


*تحيّة إلى الوزير "المسيحي" زياد بارود الذي أعاد الاعتبار إلى علمانية انتمائنا للوطن.