Showing posts with label Khaled Barraj. Show all posts
Showing posts with label Khaled Barraj. Show all posts

Monday, March 21, 2011

حملة إسقاط النظام الطائفي: التحدِيات

خالد برّاج


حسناً فعل الشبّان و الشابات بإطلاق حملة إسقاط النظام الطائفي في لبنان و جميلة تلك اليافطات التي رفعت في التحركات مطالبة بنظامٍ علماني بديلاً عن نظامنا الطائفي العفن, الصورة بحدِ ذاتها جميلة و معبِرة في بلد يُراد فيه الطائفي كأساس و العلماني كإستثناء.

و بغض النظر عن إختلافنا الفكري أو السياسي مع بعض المشاركين في التظاهرات من أحزابٍ أو جمعياتٍ شبه حزبية فإنّه من الممكن التأسيس على هذه الحملة كوسيلة ضغط بوجه النظام و عملائه ( و أقصد هنا نظام 1943 و تعديلاته أمّا العملاء فهم السياسيين من "موالٍ مستجد/معارض سابق" إلى "معارضٍ مستجد/موالٍ سابق") إلاّ أنّ الحملة في مرحلة إختبار مفصلي و الطريق معبّد بالأشواك و لعلّ بوادر تلك الأشواك ظهرت إلى العلن للمرّة الأولى في مظاهرة يوم الأحد 20/03/2011 علماً أنّ في الخفايا ما يدلّ على أكثر من إشكالية و منها ما ينسف جوهر هذا التحرُك من أساسه و يجعل عنوانه جميل و برّاق لكن محتواه فارغ أو على نقيض مع عنوانه.

و هنا تبرز الإشكاليات الحقيقية التي على القيميين و المشاركين في الحملة و المظاهرات العمل سريعاً على إزالتها و تخطِيها و يمكن تلخيص تلك الإشكاليات بالنقاط التالية:

أ‌- شعور البعض أنّ الحملة ليست بعيدة عن التجاذب و الإنقسام السياسي الحاصل في البلد بالرغم من تأكيد القيِيمين على الحملة و المتظاهرين أنّ الحملة لا تستهدف سياسي معيّن أو طرف سياسي واحد بل أنّ الحملة هي بوجه جميع السياسيين من فريقي 8 و 14 أذار و من خلفهما النظام الطائفي المهترىء (الأفضل هنا إستعمال عبارة الزعماء السياسيين لما تحتوي تلك العبارة على مدلول طائفي/مذهبي/إقطاعي/زبائني)

ب‌- محاولة الزعماء السياسيين (لا جدوى من إعادة تكرار عبارة الطائفيين فهي من المسلّمات) سرقة التحرّك عبر تأييده أو إرسال بعض أعضاء المكاتب السياسية للمشاركة في التحرّك/المظاهرة و قد ظهرت في وسائل الإعلام منذ بدأ التحركات عبارة جديدة يمكن إضافتها إلى قاموس العبارات السياسية اللبنانية و هي "عضو المكتب السياسي الأستاذ أو السيِد أو الحج فلان الفلاني شارك في صورة مستقِلة" و ذلك بالرغم من وجود الضادين في تلك العباراة (عضو مكتب سياسي و صورة مستقلة).

ت‌- إشكالية سلاح حزب الله لما يشكِل هذا السلاح من معوقات فعلية من الناحية العملية (بغض النظر عن الإنقسام الحالي حوله بين طرفي النزاع في لبنان و الأطماع الإسرائيلية الدائمة من إجتياح أو عدوان) و ذلك للأسباب التالية:

1. أولاً: للتعارض مع مفهوم القوة العامة (من شرطة و جيش إلخ...) التي تختصر الأمن و تمتلك حصرية السلاح في الأنظمة الحديثة و أي بناء لدولة أو نظام سياسي يجب أن يلحظ بشكل أساسي مبدأ حصرية السلاح بيد القوة العامة التي هي ركن مركزي في بناء السلطة العامة.

2. ثانياً: لكون السلاح أساساً هو بيدِ حزب ديني على خلاف جزري و عقائدي مع مفهوم الدولة العلمانية (و ليس من باب المصالح كعيِنة كبيرة من الأحزاب و السياسيين اللبنانيين), هذا لا يعني أنّ الحزب يؤيِد النظام الطائفي الحالي و لكن نظرته للنظام تختلف بل تكاد تكون نقيضة للدولة العلمانية و هي تلتقي إلى حد كبير مع نظرة التيارات الإسلامية "السنِية" لشكل و مفهوم الدولة (الرجاء مراجعة أدبيات الحزب منذ نشوءه إلى يومنا هذا فيما يخصّ الطائفية و نظام الحكم في لبنان).

3. ثالثاً: لإرتباط هذا السلاح بالصراع في المنطقة.

4. رابعاً: لإرتباط الحزب العضوي بالجمهورية الإسلامية في إيران و تأكيده مراراً على أهمية هذا الإرتباط من الناحية الدينية و الفقهية و الفكرية و السياسية.

ث- إشكالية الإستثناءات في التعبير عن رفض النظام الطائفي و الزعماء الطائفيين و هنا يلاحظ أنّ بعض المتظاهرين يفضِلون التصويب على زعماء معيّنين و إستثناء آخرين علماً أنّ طائفية كل الزعماء هي واضحة إلى العلن و لعلّ الإشكال الذي حصل يوم الأحد 20/03/2011 أثناء رفع يافطة تنتقد فيها أحد الزعماء و الأسلوب الميلشيوي الذي أقدم عليه بعض "اللاطائفيين" لإنتزاع تلك اليافطة خير دليل على ذلك.

الحملة تواجها تحدِيات كبيرة و منزلقات وعرة و لعلّ حجم المشاركة في تظاهرة الأمس هي خير دليل على وجود وعي عند مجموعة كبيرة من اللبنانيين (و منهم من الأصدقاء و الرفاق الذين نعتز بصداقتهم و نضالهم) بأنّ الخلل يكمن في نظامنا الحالي و إنّه قد آن الأوان للإنتهاء من مقولة " النظام يعيد إنتاج نفسه بوسائل أخرى" كما حصل في محطات 1958, 1969, 1973, 1990, 2000 و إنتخابات 2005 و إتفاق الدوحة 2009.

Tuesday, November 9, 2010

ميشال هولبك: كتابة الكراهية

خالد برّاج


كانت الصدمة كبيرة هذا الصباح عندما علمت أنّ جائزة غونكور للأدب قد مُنِحت هذا العام إلى الروائي الفرنسي ميشال هولبك عن روايته الجديدة " الأرض و الخريطة ".

صحيح أنّ الفرصة لم تسنح لي إلى الأن بمطالعة الرواية الجديدة لكِني أكاد أجزم و وفقاً لروايات ميشال هولبك السابقة (الجزئيات البدائية, الرصيف و غيرها) و أرائه أنّ الكاتب الفرنسي سار على نفس المنوال ببث الأفكار العنصرية تجاه الأشخاص من أصول أفريقية و الحضّ على كراهية المسلمين و السخرية من الدين الإسلامي و إستعمال أبشع العبارات فيما يخصّ نضال الشعب الفلسطيني و حضّ الحكومة الإسرائيلية على التخلُص من هذه " القاذورات" وفقاً لتعبيره.

لم يكتفِ الروائي الفرنسي بنشر أفكاره الفاشية في روايته فهو غالباً ما ظهر خلال برامج حوارية على شاشات الفضائيات الأوروبية مبدياً أراء عنصرية تجاه شعوب و أديان منتقِداً جوهر الدين الإسلامي واصفاً على سبيل المثال الأشخاص من جذور أفريقية " بقرودٍ و سعادين بقضيبٍ كبير!

يقول الكاتب جيل بيرول (و هو من أصدقاء ميشال هولبك): " لا ينبغي أن نعطي أهمية سياسية لما يكتبه هولبك لسبب واحد وهو أنه ليس كاتبا سياسياً، بل يتفاعل مع المجتمع بتلقائية، مشيراً في نفس الوقت إلى أن سلين (بالإشارة إلى الكاتب الفرنسي لوي فرديناند سيلين) كان هو أيضا كاتباً معروفا وكبيرًا جدًا، بالرغم من أنه يعتبر من أكبر المنتقدين لليهود".

لكن جيل بيرول على خطأ فلا يوجد هنا فصل بين الإجتماعي و السياسي و المحتوى الأدبي لروايةٍ معيّنة, إنّ الروائي الذي ينشر من خلال روايته أراءه و رؤيته للمجتمع و الإنسان على شكل صورًا مختلفة وفقاً لطبيعة الرواية الأدبية و لمحتوى القصة يُصبِح أشبه بداعية أفكار لا يُمكِنه التنصّل فيما بعد من تلك الأراء الواردة في نصِه الأدبي.

إلاّ أنّه لا بدّ من التفريق بين المشهد الروائي و التصريح الوصفي ضمن الرواية في النصّ الأدبي , في المشهد الروائي يقوم الكاتب بإستعراض أفكار و أراء أبطال روايته ضمن مستلزمات الرواية (مثلاً: رجل عنصري يُبدي أراء متطرِفة تجاه أديان أو مجموعة من الأشخاص من ضمن شخصيته الروائية) أمّا في التصريح الوصفي يستند الكاتب إلى شخصياته الروائية ليضيف و تمرير أراء شخصية لا صلة لها بالمشهد الروائي (مثلاً: القول على لسان الكاتب و ليس على لسان أحد شخصيات الرواية أنّ الدين الإسلامي هو دين همجي و أحمق).

التصريح الوصفي واضح بشكل جليّ في مُجمل أعمال ميشال هولبك و من هنا لا يُمكن وصف هولبك بأنّه روائي فحسب بل أيضاً أرائه الصريحة من خلال روايته تعطيه طابع كاتب سياسي تُضاف إليها أرائه و نظرياته خلال البرامج الحوارية التلفزيونية.

و لهولبك نماذج أخرى مشابهة في عالمنا العربي نجدها غالباً في مواقف و تصاريح التنظيمات الإسلاموفاشية و هي كما هولبك (الذي يسخر من الدين الإسلامي) تسخر و تحرِض على الدين المسيحي و تدعو إلى الإقتصاص من المسيحيين أينما وجدوا.

لا أعرف كيف تُوصف روايات تحرِض على الكراهية و العنصرية بأعمال أدبية و تُعطى شهادات و جوائز لأشخاص مثل لوي فرديناند سيلين, ميشال هولبك و غيرهم من الكارهين للإنسان و الإنسانية, إنّ الأدب يفقُد قيمته عندما يُصبح منبراً لنشر الكراهية و الحقد و العنصرية بين البشر.


Monday, October 25, 2010

نصيحة

خالد برّاج



مضحك و مبكٍ في آنٍ معاً عندما تستذكِر القيادات اليسارية و الشيوعية الحالية في المهرجانات الحزبية و المؤتمرات التضامنية المتنوعِة المشارب و الأهداف المثقّفين و المقاومين الشيوعيين و اليساريين الذين سقطوا غدراً على أيدي التنظيمات و العصابات الإسلاموفاشية في الفترة الممتدة بين 1985 و 1988 في كلّ من بيروت و الجنوب.

المضحك في الأمر أنّ هذه القيادات الحالية من أمناء عامين و أعضاء مكاتب سياسية و لجان مركزية و مجالس وطنية لأحزابٍ و تنظيمات (و التي أصبحت عملِياً فارغة من محازبيها و مناضليها) تقف الأن في صفّ هذه التنظيمات الإسلاموفاشية و تدافع عنها و تبرِر لها أعمالها من تهديدٍ دائم لسياسيين و أحزاب و صحافة مكتوبة و مرئية وصولاً إلى الغمز الشبه اليومي لجهة إستمال "السلاح الميليشيوي" لفرض الرأي بالقوة إذا لزم الأمر.

و المضحك الثاني في الأمر هي كمِية المعونات المادية الشهرية و الموسمية التّي يتمّ توزيعها على بعض الأحزاب و القيادات اليسارية من قبل تنظيم إسلاموفاشي شهير لكي تقوم هذه الأحزاب و القيادات و عبر الإعلام بشتم و تلفيق إتهامات كاذبة و الإفتراء على كل من يعارض أو يختلف بالرأي مع هذا التنظيم الإسلاموفاشي "صاحب المال الطاهر و القرار الحرّ ".

أمّا المبكي في الأمر هو ذكر أسماء هؤلاء الشهداء الأبرار خلال المهرجانات اليسارية و خطب الأمناء العامين الرنّانة في إطار مشوّه للحقائق و التنكُر للظروف و الأسباب التي رافقت عملية إغتيالهم و تحميل مسؤولية الإغتيالات لأطرافٍ أخرى ليس لها علاقة لا من قريب و لا من بعيد بهذه الإغتيالات و تبرئة المرتكب الحقيقي و إعطائه شهادة حسن سلوك وطنية و قومية و أممية.

نصيحة صغيرة للقيادات اليسارية و الشيوعية اللبنانية الحالية المتحالفة (أو العميلة – تعبير أدقّ) مع التنظيمات الإسلاموفاشية ضمن "جبهة مواجهة الهجمة الإمبريالية الأميركية الصهيونية على لبنان و المنطقة العربية" أن تراجع تاريخ بلد إسمه إيران بُعيد الثورة الإسلامية عام 1979 التي أطاحت بنظام دكتاتور إيران الشاه محمد رضا بهلاوي و أتت بنظامٍ رجعيٍ/ظلاميٍ كان أول مآثره تأسيس عصابات مسلّحة إسلاموفاشية شبه حكومية/رسمية (أصبحت فيما بعد رسمية) قامت في المرحلة الممتدة بين 1980 و 1984 بالملاحقة و الإقتصاص من المناضلين و المثقّفين اليساريين و الشيوعيين الذين ساهموا وكان لهم الدور الرئيسي بنجاح الثورة الإيرانية.



Tuesday, October 19, 2010

Immigration and Integration: European Dilemma

By Khaled Barrage


"The approach of multi-cultural society has failed totally; immigrants should integrate and adopt Germany's culture and values"

Angela Merkel – Chancellor of the Federal Republic of Germany

Back in the 1970's France and Germany actively encouraged the immigration of mostly North-African (France) and Turkish (Germany) workers in order to provide the manpower for their booming construction and manufacturing sectors. This was out of necessity, faced with on-going crisis in the availability of local qualified workmen and the cheap cost of foreign labour compared to local wages. Both governments at the time and even later on did little to set any socio-cultural vision with regards to the integration of the new minorities within their respective societies. Instead, the focus was on short term benefits while big factories exploited a workforce eager to work and poorly aware of its rights. (long working hours in contradiction with the regulations/labour laws - insignificant salaries - poor housing conditions etc...). This state of affairs led to a voluntary self-isolation and a re-adherence among this group to the cultural/social/religious values of their country of origin. This phenomenon was transferred to the second generation immigrants in the form of relatively stronger adherence to these ‘traditional values’ (mostly those born in the 1980s).

Today, although the main issues and problems regarding the integration of the immigrants and their descendants are focused on the main cities and suburbs (Paris/cites; Berlin and its suburbs etc...), the various election results since 1986 in France and mid-nineties in Germany reveal a sustained progression in the percentage of the vote acquired by right wing and far right wing formations in rural areas where the issue of integration is a theoretical one, far removed from local concerns. The number of votes obtained by these same groups is on the other hand shrinking in the main cities. More recently the French right wing UMP lost all the major cities in the latest regional elections after losing the municipality of Paris more than 10 years ago.

How to explain this voting behavior?

The Conservative Right and their more extreme counterparts are known to emphasize the importance of the ‘traditional’ values of the nation. They also warn of the influence of these minorities that bring their own cultural values and develop an environment incompatible with the notion of a liberal republic. This discourse is strongly supported in the rural zones where the population is more traditional and conservative in outlook compared with the urban, more mobile and exposed population.

Nonetheless the impact of this voting pattern is felt nationally as it consistently ensures a large number of votes during the various elections (parliamentary elections – municipality elections – regional elections etc…) without too much effort. Suggesting serious solutions to the problem of minority and integration in the European society was never really on the agenda of the mainstream European Right. (No need to mention the extreme right wing formations here since their wish is the expulsion of most immigrants "legal and illegal" from the country). The intentional absence of concrete plans and solutions combined with the xenophobic speech orchestrated by the right will always be profitable in terms of votes at the end of the election day.

On the other hand, the continuous self-isolation policy conducted by minorities and the antagonism shown to the central authority in response to years of negligence by the European governments since the 70s were fertile grounds for the emergence of societal violence in the form of:

• On-going acts of violence in the main cities: violent demonstrations, burning and cracking stores, attacks on public facilities and institutions. (We should point out here that the security forces arrogant /traditional xenophobic attitude against the minorities is a factor too).

• Large number of immigrants/immigrants descendants joined Islamofascist European cells or at least sympathized with their cause. (Keeping in mind the impact of Western policies in the Middle East and their unconditional support for Israel).

The problem of minorities in European society requires a thoughtful and clear solution that takes into consideration on one side their current social situation and their cultural/religious background and from the other side the need to develop an integration plan based on human rights principles and the respect by the immigrants of the laws and regulations of the republic and its social contract.

Thursday, September 23, 2010

رجل الأمن



خالد برّاج
في روايته بعنوان "سيرة رجل حقير" يستعرض الكاتب الفرنسي ديديه داينيكس حياة رجل أمن فرنسي عاصر مراحل و محطات أساسية من تاريخ فرنسا الحديث.

فمن زمن الإحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية مروراً بقيام الجمهورية الخامسة و ثورة الطلاب عام 1968 وصولاً إلى إنتخاب الإشتراكي فرنسوا ميتران رئيساً للجمهورية عام 1981 يظهر كلمان دوبريه (بطل الرواية) كموظّف عادي, لا تعنيه السياسة لا من قريب و لا من بعيد يضع في خدمة مرؤوسيه في مختلف الإدارات و الحقبات ذكاءه و دهاءه الخارقين للحفاظ على النظام السياسي القائم, فهو رجل بوليس في الوحدات الخاصة خلال الإحتلال النازي لفرنسا مهمِته الأساسية إلقاء القبض على اليهود و أعضاء المقاومة الفرنسية و تسليمهم إلى السلطات الألمانية و هو أيضاً المحافظ على أسس و إستمرارية الجمهورية الخامسة خلال سنوات حكم الرئيس شارل دوغول من خلال ملاحقته الشيوعيين و أعضاء جبهة التحرير الوطني خلال الثورة الجزائرية و صولاً إلى قمع ثورة الطلاب عام 1968 و التضييق على الشيوعيين و الإشتراكيين خلال السبعينات بعد توقيع إتفاقية البرنامج المشترك بين الحزبين الشيوعي و الإشتراكي عام 1972.

يستخدِم بطل الرواية (كلمان دوبريه) جميع الأساليب المعروفة (تعذيب – ترغيب – رشوة – إغتيال إلخ...) لإتمام مهامه كرجل مخابرات يحاول الدفاع عن النظام السياسي في شتّى المراحل و هو لا يشكِك بالنظام القائم لأنّ فلسفته نابعة من أنّ رجل الأمن يُنجِز مهامه بمعزل عن السياسة فالأمن في خدمة النظام السياسي القائم, فإن كان نظام الماريشال بيتان يوصي بإلقاء القبض على اليهود فيجب تنفيذ ذلك و إن كان النظام الجديد فيما بعد يضمن الحرِية الدينية للأفراد و المجموعات فيجب العمل على المحافظة على هذه الحرِية.

لكنّ كلمان دوبريه رجل مخابرات فريد من نوعه إذا ما قارنه مع رجال مخابرات آخرين لا سيّما في دول العالم الثالث و بالأخص في العالم العربي, فهو بالرغم من سطوته, إجرامه و سيطرته الأمنية لم يلجأ إلى الإنتفاع المادي من خلال وظيفته, ظلّ مردوده المادي الوحيد خلال عمله في مجال المخابرات راتبه الشهري و هو يفتخِر بأنّه خلال 40 عام من العمل البوليسي/ الإستخبراتي لم يستغِل منصبه لتحسين وضعه المادي أو الإجتماعي و هي صورة مغايرة لرجال المخابرات في عالمنا العربي إذا ما أردنا المقارنة مع بطل الرواية, فالبرغم من وجه الشبّه الخاص بأساليب المخابرات القمعية و الوحشية و التي هي مشتركة بطبيعة الحال بين بطل الرواية و معظم رجال المخابرات فإنّ الفرق الأول أنّ كلمان دوبريه " رجل الأمن" كان في خدمة النظام القائم و السياسة العامة المتبّعة بينما في معظم دول العالم الثالث و العالم العربي النظام السياسي هو في خدمة الأمن و تُبنى الأنظمة (و قد بُنِيت) بالشكل المعكوس: الأمن أولاً – الدستور ثانياً – السلطات الدستورية في خدمة الأمن ثالثاً – المجتمع المدني رابعاً ممّا يعطي مجالاً واسعاً للأمنيين (العسكر و المخابرات إلخ...) للتدخُل في الحياة السياسية و فرض رؤيتهم على المجتمع و على المُنتخبين وصولاً إلى السيطرة الكلِية على الحياة السياسية من خلال الأمن.

أمّا الفرق الثاني فهو الإنتفاع المادي من المنصب الأمني, كلمان دوبريه لم يستغِل منصبه الرفيع ليزيد من حجم مدخوله الشهري و هو لم يبتزّ أو يهدِد رجال الأعمال و التجّار و الإقتصاديين ليشارك في صفقة هنا أو هناك أو التطفُل على مشروع تجاري مُربِح, ظلّ كما هو خلال فترة عمله يحافظ على النظام القائم بإستخدام الأساليب المخابراتية القذرة و الحقيرة (و لذلك هو رجل حقير) لمنفعة إستمرارية النظّام السياسي القائم دون التفتيش عن منفعة شخصية سوى ترقيته الطبيعية في السُلَم الوظيفي خلال فترة عمله.

لا تختلف أساليب رجال الأمن (خصوصاً المولجين الحفاظ على الأمن الداخلي للبلاد و ليس الخارجي) عن بعضها البعض في مُعظم أقطار العالم و هي أساليب رخيصة و حقيرة و وحشية مُبررها الدائم الحفاظ على الأمن و إستمرارية الدولة (أو النظام؟) لكن الفرق شاسع بين رجالنا الأمنيين (أي في العالم العربي) الذين ينتفعون مادياً (صفقات بأرقام خيالية, إبتزاز لمشاركة رجال أعمال بمشاريع تجارية إلخ...) بحكم موقعهم و معظم رجال الغرب الأمنيين الذين يخدمون النظام كموظفِين حكوميين مرادهم الوحيد الحفاظ على النظام القائم و الإنتفاع بالترقية الوظيفية و تعويضات نهاية الخدمة.

Monday, August 30, 2010

!بدعة لبنان: عدم التضامن الوزاري

خالد برّاج




لا زال السياسيون المنتمون إلى هذا الفريق أو ذاك إضافةً إلى الصحافيين و المحلِلين السياسيين (و ما أكثرهم) يُتحِفونا كل يوم بإستعمال تعابير و مفردات هي على الأقل هرطقة من الناحية القانونية و الدستورية و أبرز هذه العبارات التّي نسمع تردادها بشكل يومي على لسان "كبار القوم" من نوّاب و وزراء إلى رؤساء و أمناء " الدكاكين الحزبية " (و هو الوصف المنطقي و الفعلي للحالة و الجسم الحزبي في لبنان) هي عبارة " الموالاة و المعارضة ".


فعن أيّ موالاة يتحدّثون حين تكون غير قادرة على الحكم بمفردها بسبب طبيعة النظام اللبناني الطائفي المذهبي و منطِق القوّة الميلشيوي و عن أي معارضة يتحدّثون حين تُصبح هذه المعارضة شريكاً أساسياً في حكومةٍ تُفترض أن تكون حكومة وحدةٍ وطنية, فمنِ الغير المنطقي (في بلدٍ غاب فيه المنطق منذ عقود) تصنيف الأفرقاء السياسيين المشاركين في الحكومة كفريقٍ موالٍ و فريقٍ معارض لأنّ الجميع و لمجرّد المشاركة في حكومة وحدةٍ وطنية أصبحوا بالعرف السياسي و الدستوري موالون و عليه فإنّ وزرائهم المعيّنون أصبحوا مُلزمين بمبدأ التضامن الوزاري.


إنّ المعارضة لا تكون من ضمن الحكومة بل هي تأخذ طابع معارضة شعبية في بعض (أو كثير) من الأحيان أو معارضة برلمانية في مجلس النوّاب عملاً بدساتير معظم الأنظمة الديمقراطية (يُستثنى من ذلك بطبيعة الحال النظام العربي الرسمي بشِقيه التقدمي و الرجعي أو بتصنيفه الجديد بين ممانع و معتدِل) لكن بمجرّد دخول حزب معارض (أو عدّة أحزاب معارضة) إلى حكومة وحدةٍ وطنِية فإنّ صفة المعارضة تسقُط عن هذا الحزب أو ذاك و يتحوّل الحزب إلى حزبٍ موالٍ يُوافق و يطبِق من خلال وزرائه سياسة الحكومة الرسمية من الناحية السياسية, الإقتصادية, المالية و الإجتماعية.


 لكن هامش الإعتراض موجود من خلال تحفظّ وزير على قرارٍ أو مرسوم خلال جلسات مجلس الوزراء و هو تحفّظ يحصل أيضاً في حكومات من لونٍ واحد لكن مهما كانت درجة التحفظّ أو الإعتراض فإنّ ذلك يجب أن لا يمسّ بمبدأ التضامن الوزاري و هو مبدأ أساسي و مُلزِم من الناحية القانونية و الدستورية و في حال الإخلال بقواعده فإنّ ركائز الحكومة (من لون واحد أو وحدة وطنية) تُصاب بالخلل و تدخل البلاد في أزمةٍ لوجود تعارض علني داخل الحكومة ممّا يهدِد إستمراريتها (إستقالة رئيس الوزراء – إستقالة الوزراء المعترضون إلخ....)


طبعاً الوضع في لبنان مغاير تماماً, فعدم التضامن الوزاري هو السائد و التصنيف الخاطىء لفرقاء في الحكومة الحالية (أو أي حكومة وحدة وطنية) على أساس موالاة و معارضة أصبح عادياً جدّاً حتّى أنّ بعض رجال القانون المنتمون إلى الأحزاب (أو الدكاكين الحزبية كما يحلو لي أن أصف الواقع الحزبي في لبنان) يطلقون تلك الصّفات على فرقاء الحكومة الحالية في البرامج السياسية على مختلف المحطّات اللبنانية.


إنّ عدم إحترام مبدأ التضامن الوزاري و خرقه بهذا الشكل الفاضح كل يوم من قبل وزراء حكومتنا الحالية يُبيِن لنا مدى هشاشة و رجعية النظام اللبناني , لا شكّ أنّ عدم إحترام مبدأ التضامن الوزاري يستمِد قوتّه من الخلل البنيوي للنظام اللبناني الذي أعطى كيانات و جماعات طائفية و مذهبية أفضلية و أحقِية على النظام العام المدني, إنّ الوزير الذي يخرق مبدأ التضامن الوزاري من خلال تصريح أو موقف إعلامي غالباً ما يفعل ذلك ليس دفاعاً كما هو ظاهر عن مصالح المجتمع إنّما دفاعاً فقط عن مصالح الطائفة التي ينتمي إليها.


إنّ إطلاق صفة موالٍ و معارض على وزير في حكومة وحدة وطنية هو بحدّ ذاته خرق لمبدأ التضامن الوزاري, فكيف لشخصٍ (أو حزبٍ) أن يكون معارضاً لحكومة هو مشارك فيها ؟؟؟ بدعةٍ أخرى من بدع نظامٍ طائفي مذهبي زبائني مهترء.

Thursday, December 24, 2009

عودة الإبن الضال

خالد برّاج



هل هو عنوان الفيلم الشهير ليوسف شاهين ؟ وصف لحالة الإبن الذي يعود لذوييه بعد إفتراقٍ طويل ؟ عودة لاعب كرة القدم إلى النادي الذي إنطلق منه ؟

جملة أو عباراة تُستخدم منذ القدم لوصف حالة الرجوع أو عودة الشخص إلى نقطة البداية , فيها كثيراً من الندم و نقداً لمرحلةٍ ما تاه فيها الإبن عن "الخيار الصحيح", فالإبن شخصٌ ضال أي أنّه أضاع الطريق و زاح عن الدرب في مرحلةٍ هي الأخرى يراد لها أن تُمحى من ذاكرة الإبن و العائد إليهم.

و هي عبارة في محلِها إذا ما أحسنا وصف اليساري العائد إلى طائفته بعد صراعٍ مشهدي طويل مع طائفته و طوائفهم (أي الطوائف غير طائفته) و الطائفية.
هذا اليساري المنهمك منذ الإستقلال بالنقاش و النقد و تقديم مشاريع إصلاحية للنظام و المجتمع , يعود اليوم إلى طائفته غريباً عنها و غريباً عن نفسه.
هذا اليساري الذي أذلّته الحرب و ما بعد الحرب و دمرّت أحلامه حروب و سياسيو الطوائف و المذاهب , يعود اليوم إلى طائفته كي يكون جندياً عصِياً بوجه الطوائف الأخرى.
هذا اليساري الذي خزله اليسار من معتدليه إلى أقصاه , يعود اليوم إلى طائفته كي يطالب و يدافع عن لقمة عيشه من خلال ملهمه أو لينينه الجديد "زعيم الطائفة".
هذا اليساري الذي و جد نفسه متحالفاً مع طوائف الأحزاب و أحزاب الطوائف, يعود اليوم إلى طائفته كي يصبح الأصل و ليس الحليف.
هذا اليساري الذي فضح ممارسات الحكومات و الوزراء في شتّى العهود, يعود اليوم إلى طائفته كي يُمسي وزير طائفته يتحدّث بإسمها, يغار على مصالحها, يهلِل لإنتصاراتها الوهمية.
هذا اليساري الذي لم يحرِر فلسطين و لم يُسقِط الأنظمة الرجعية منها و التقدّمية , يعود اليوم إلى طائفته كي يدافع عن غزّة من خلال أإمة الجوامع و جمع تبرعّات الأنظمة.
هذا اليساري الحزين على إنهيار الإتحاد السوفياتي و تراجع الفكر الإنساني, يعود اليوم إلى طائفته كي يبحث عن إتحادٍ سوفياتي (طائفي) جديد في بلاد فارس أو الصحراء العربية.
هي عودة إلى الأساس و ليس إرتداداً , هي حالة اليأس و القرف من كل شيء و أي شيء, هي التفتيش عن المصلحة الشخصية بعد أعوامٍ و عقودٍ من "النضال من أجل الجماهير" هي ببساطة كما يصفها أحد الأصدقاء عند سؤاله عن أحد الأبناء الضالين العائدين إلى طوائفهم: " مبلى كان بالحزب بس إكتشف بعد كل هل السنين إنّو كلّو تفنيص, ففضّل يرجع إبن الطايفة و يعمل إرشين حلوين ".

Wednesday, November 18, 2009

مصر والجزائر

خالد برّاج




"كرة القدم هي صورة عن مجتمعنا، أنظروا جيِداً لتعبير أحد اللاعبين على أرض الملعب أو أحد المشجعِين في المدرجّات، هذه صورهم في الحياة اليومية ".
إيميه جاكيه - المدرِب السابق للمنتخب الفرنسي لكرة القدم

هستيريا جماعية أصابت المجتمعين المصري والجزائري والسبب كما يعلم الجميع المباراة الفاصلة المؤهلة لكأس العالم 2010 والتي سوف تجرى في العاصمة السودانية الخرطوم "الأرض المحايدة" مساء يوم الأربعاء 18/11/2009، ولكن، ما الذي أدّى إلى هذه الهستيريا؟
الأهمية تكمن في التأهل لكأس العالم لكرة القدم ممّا يضع منتخب البلد المتأهل في خانة أفضل 32 منتخباً عالمياً وتضع البلد المتأهل على خارطة الدول المتداول إسمها خلال فترة "المونديال" إضافةً للمردود المادي من الدعايات والشركات التي سوف تتسابق لعقد اتفاقيات رعاية مع المنتخب المتأهِل.
الحسّ الوطني أو الإحساس بالإنتماء عند معظم المصريين و الجزائريين و ضرورة مساندة منتخب بلادهم الذي أصبح يشكِل لهم (حسب رأيهم) من خلال وصوله إلى المونديال (إذا ما حصل) نموذج للتفوّق الوطني و العزّة والكرامة .
الشعور الدائم بالإحباط عند معظم فئات الشعب في كل من المجتمعين المصري والجزائري نتيجة الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية الخاصة بكل بلد و محاولة "فش الخلق" أو "التنفيس" مثلاً من خلال حدث رياضي كالمبارة المذكورة*.
التجييش الذي مارسته السلطات الرسمية أو شبه الرسمية في كل من البلدين والمناكفات الإعلامية العلنية بين اتحادي كرة القدم في كل من البلدين وصولاً إلى اتهامات من قبل الإتحاد المصري للرسميين الجزائريين بتسميم بعض لاعبي المنتخب المصري و أعضاء الجهاز الفني خلال تواجد المنتخب المصري في الجزائر لخوض مباراة الذهاب لتصفيات كأس العالم، إضافةً إلى الإتهام الذي وجّهته الصحافة الجزائرية لقوى الأمن المصرية بإعتدائها المتكرِر والوحشي على الجماهير الجزائرية خلال تواجدها في مصر قبل بضعة أيام لمؤازرة منتخبها في مباراة الإياب ضد المنتخب المصري ضمن تصفيات كأس العالم.
الإعتداءات المتكرِرة (من تحطيم واجهات و حرق إلخ...) من قبل بعض الجماهير في كل من البلدين على الشركات والمصالح التابعة لكل بلد و صولاً إلى تعرّض موظّفي هذه الشركات لمضايقات و ضرب علني، ادت إلى موجة تضامن وطني وتعصّب أعمى تجاه البلد الأخر في كل من الجزائر و مصر.
الكره أو الإزدراء الذي تضمره الشعوب العربية لبعضها البعض هو أمر ينسحب على مجمل شعوب الأقطار العربية ويتجلّى بشكل واضح خلال المباريات الرياضية التي تجمع منتخباتهم.
خروج جميع المنتخبات العربية من التصفيات المؤهلة لكأس العالم ممّا يعني أنّ شرف تمثيل الكرة العربية في المونديال هو محصورٌ فقط في مصر و الجزائر.
التمّني الأول و الأخير أن تبقى الكرة العربية حضارية وأن تعود الجماهير إلى قواعدها سالمة ولنتجنّب، ولو أنّ التشبيه ليس دقيقاً، ما حصل بين الهندوراس و السلفادور عام 1969 حيث أنّ مباراة كرة قدم أدّت أنذاك إلى معارك عسكرية استمرّت أربع أيام قُتل فيها حوالي أربع آلاف شخص معظمهم من المدنيين، وعُرفَت هذه المعارك فيما بعد بـ "حرب كرة القدم" وقد كانت من الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى تعزيز السيطرة السياسية للعسكريين في البلدين وتشديد الخناق أكثر من ذي قبل على جميع المعارضين وزجهّم في السجون إلى ما لا نهاية.


* وهو أمرٌ لامسناه في لبنان خلال أواخر التسعينيات و بداية الألفية الجديدة مع فريق نادي الحكمة لكرة السلة حيث أقدم مناصروا الأحزاب المسيحية الذين كانوا يتعرّضون للقمع الشبه اليومي على أيدي النظام الأمني المخابراتي اللبناني السوري المشترك على مؤازرة فريق الحكمة المتفوِق لبنانياً، عربيا،ً وآسيوياً بشكلٍ جنوني و إطلاق الشعارات السياسية خلال المبارايات وشكلّت تلك المباريات مساحة "فش خلق" للأحزاب المسيحية و ساحةً للإعتراض على الوضع الذي كان سائداً.

Sunday, October 11, 2009

!!!جائزة نوبل للسلام


خالد برّاج

لا أعرف ما هي إنجازات الرئيس الأميركي باراك أوباما و لم ألحظها إلى حدّ الآن لكي أهلِل فرحاً لنيله جائزة نوبل للسلام.

صحيح أنّ الرجل يحاول في شتّى المجالات تحسين صورة الولايات المتحدّة في الخارج عبر العمل العلني (على الأقل) للحدّ من التسلّح النووي و الإستغناء عن الدرع الصاروخي في أوروبا (المقلق لروسيا) إضافةً إلى محاولة إبتداع طرق جديدة لطمأنة العالم العربي و الإسلامي من خلال تحريك ملف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية (ممّا أوقعه بخلافٍ مع إسرائيل ظهر إلى العلن بجدِية لأول مرَةٍ منذ نشوء دولة إسرائيل) و معارضته للإحتلال الاميريكي للعراق و صولاً إلى تعاطيه بشكل مغاير لإستمرار الحرب في أفغانستان إلاّ أنّ جميع تلك المحاولات هي ضمن ما يسمح به النظام "السيستم" و هو يتماشى مع المصلحة الحالية لسياسة الولايات المتّحدة الخارجية.

بالطبع العلاقات بين الولايات المتحدة و إسرائيل لن تشوبها شائبة بالرغم من بعض التوّترات التي تحدثها تصاريح من هنا أو هناك للرئيس الأميركي أو أحد معاونيه لأنّ المضمون لا و لن يشكّك بحق إسرائيل في الوجود أو دفاعها عن نفسها و هو يتبع نفس منهج الإدارات الأميركية المتعاقبة بتحميل الفلسطينيين و الإسرائيليين على السواء بفارقٍ كبير مسؤولية الأحداث و الصدامات التي تحصل بالأراضي المحتلّة, أمّا هامش التصريح أو الخطاب الرسمي (أو الغير الرسمي) الأميركي المنتقد لإسرائيل فهو مبني بشكلٍ أساسي على إنتقاد عمليّة الإستيطان في الأراضي المحتلّة و دعوة إسرائيل إلى إيقافها أو الحدّ منها و هي تأتي بإطار التمنّي و ليس الأمر.

في المسألة العراقية, يدفع الرجل ثمن أخطاء بوش الأب و الإبن في آنٍ , و هو و إن إنسحبت جيوش التحالف بقيادة المارينز من مدن العراق الرئيسية و معلومات شبه مؤكّدة عن الخطّة النهائية للإنسحاب النهائي من العراق إلاّ أنّ المسالة العراقية أصبحت تتعدّى وجود عسكري لقوى إحتلال في كلِ المدن أو بعضها إلى منحنى أخطر (أي الإقتتال الطائفي الشبه يومي) ساهمت فيه بشكل رئيسي سياسات الإدارات الأميركية المتوارثة منذ حرب الخليج الأولى بتشجيعها عن قصد أو غيره بالتضامن مع الأحلام الإيرانية بتصدير الثورة إلى محيط إيران العربي, أماّ التدخّل السوري فهو إن يأخذ طابع تسلّل تخريبي عن طريق بعض الجماعات الأصولية إلاّ أنّه يبقى محصوراً في إيطار ما يمكن أن يحصل عليه النظام السوري من مكاسب ضمن المفاوضات الشبه علنية التي يقودها الوسيط التركي بين إسرائيل و سوريا.

أمّا في أفغانستان فإنّ المعطيات تشير بشكلٍ لا لبس فيه أنّ الإتجاه لدى الرئيس الأميركي هو بالتجديد للقوات الأمريكية إضافةً إلى معلومات صحفية تؤكِد أنّ الرئيس الأميركي سيوافق على توصية قائد القوات الدولية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال على توسيع رقعة الحرب و زيادة عديد القوات الأمريكية هناك.

إذاً أين هي الإنجازات ؟

هل الإستغناء عن الدرع الصاروخي في أوروبا و الذي أعطى حيوية إيجابية لكن محدودة للعلاقات الأميركية – الروسية يشكِل إنجازاً يكافأ عليه باراك أوباما بجائزة نوبل للسلام ؟

هل إيمان باراك أوباما بالحلول الدبلوماسية و السلمية لحلّ النزاعات في العالم يشكِل قاعدة قانونية و عمليّة لمنحه جائزة نوبل للسلام ؟

هل حلمه بضرورة وجود عالمٌ خالٍ من الأسلحة النوويّة يعتبر كافياً لمنحه جائزة نوبل للسلام ؟

هل إنتقاده و دعوته للتخفيف من حدّة الإستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية يؤرّخ كإنجازٍ يكافأ عليه بجائزة نوبل للسلام ؟

هل إنسحاب القوات الأميركية من المدن الرئيسية في العراق هو إنجازٌ كافٍ يمنحه بشكلٍ تلقائي جائزة نوبل للسلام ؟

هل إنتخاب رجل أمريكي من أصول أفريقية لأول مرةٍ كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية يعطيه دفعاً و مصداقية لكي ينال جائزة نوبل للسلام ؟

حسب ما أذكر فإنّ الجائزة تمنح للأفعال و ليس الأقوال و التمنيّات, و أفعال الرئيس الأميركي ليست إلى الآن سوى أقوال و هي أحلام رجلٍ آتٍ من بيئة متشعِبة أظهرته وسائل الإعلام كمزيجٍ عصري من الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي و فتى الستينات الحالم بعالمٍ أفضل , إنّ منح باراك أوباما جائزة نوبل للسلام بناءاً على أحلامه و تمنيّاته هي هرطقة مضحكة لا تمتّ إلى الواقع بشيء , و هو يعلم تماماً و في قرارة نفسه أنّ منحه هذه الجائزة قد أتى قبل الأوان بكثير لأنّ هناك الكثير من العمل يجب إنجازه لكي ينال جائزة السلام الحقيقية التي سوف تمنحه إياها الشعوب المقهورة القابعة تحت وطأة الأنظمة التوتاليترية و دبّابات الجيش الأميركي.

Wednesday, September 16, 2009

جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية

خالد برّاج


التاريخ: 16 ايلول 1982 – المكان: منزل المعلِم الشهيد كمال جنبلاط

"يا أبناء بيروت البطلة، يا أبناء شعبنا اللبناني العظيم في الجنوب والجبل والبقاع والشمال، أيها المقاتلون الوطنيون الشجعان إن العدو الإسرائيلي المستمر في حربه الوحشية ضد لبنان منذ أكثر من مئة وأربعة أيام يبدأ اليوم تدنيس أرض بيروت الوطنية الطاهرة... فلتنتظم صفوف الوطنيين اللبنانيين كافة، وبغضّ النظر عن انتماءاتهم السابقة وعن الاختلافات الإيديولوجية والطائفية والطبقية، في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كسراً للقيد الذي تحاول أن تفرضه اليوم أميركا وإسرائيل على عنق شعبنا الحر ورفعاً لراية التحرر الحقيقي لشعبنا العظيم".

جورح حاوي – محسن إبراهيم



لبّا الرفاق النداء و حملوا السلاح و أخرجوا جيوش صهيون من بيروت و طاردوهم في صيدا و البقاع و جنوبي الجنوب, لم ينتظروا مباركة إقليمية أو إحتضان دولة ممانعة أو حتى مالٍ شريفٍ طاهر, إلتحقوا في صفوف جبهة المقاومة الوطنية البنانية (جمَول) و قاوموا المحتل أينما كان غير آبهين بالموت أو الأسر...
فألف تحية إلى من أطلق الشرارة الأولى, ألف تحية إليك يا أبو أنيس شهيد الحرية و العدالة الإجتماعية و الإنسان و ألف تحية إليك يا أبا خالد يا من آثرت السكوت في هذا الزمن الرديء "زمن الفضيحة" كما يقول شاعرنا الكبير الراحل محمود درويش.
و ألف تحية إليكم يا شهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية, أنتم يا خيرة الرجال الآتون من كل قرية في لبنان , أنتم من آمن أنّ عدو الداخل من نظام طائفي و محاصصة مذهبية هو نفس العدو المغتصب لأرض فلسطين والجنوب, هو نفس العدو المتربِص في ظلال الأنظمة العربية التقدمية و الرجعية ...
و ألف تحية إلى تلك العائلات التي هُجِرت من أرض و قرى الجنوب على يدِ المحتل الصهيوني و عملائه و على يدِ قوى الأمر الواقع (و الغدر) من فاشيين/ظلاميين و عصابات الإجرام و القتل...
و ألف تحية إليكم يا أمهات شهداء جبهة المقاومة الوطنية البنانية , يا من صبرتم و ضحيّتم بأغلى ما عندكم كي تبقى راية الحق و التقدّم تغرز مجدها في صدر الصهيونية و الأنظمة العربية (وكلّ الأنظمة العربية) البالية...
و ألف تحية إليكم يا أسرى جبهة المقاومة الوطنية البنانية , أنتم من خرجتم من معتقل أنصار و الخيام و زفتا و سجون الداخل الفلسطيني , أنتم من خرجتم من هذا السجن الصغير إلى السجن العربي الكبير, أنتم من أهملتكم الدولة و الحكومات المتعاقبة و سياسيوا الطوائف و المناصب...
فترة مجيدة من تاريخ نضال الشعوب بوجه الإحتلال و الظلم و القهر, فترة مجيدة يحاول البعض اليوم تغييبها و التعتيم عليها عن قصد, لكن ما من أحد ليستطيع (في لبنان و غيره) أن يمحيها من ذاكرتنا و وجداننا, لا أحد يستطيع تزييف و تزوير التاريخ إلى الأبد, هي كما تقول كلمات الأغنية في مقطعها الأخير:


"بين أنصار و عتليت يا أمي
كتبتلك أشوائي
بترابات فلسطين يا أمي
أنا و رفاقي
ونحنا شفنا العذاب يا أمي
و دءنا حلاتو
و إلِي نِسي جمّول يا أمي
يعدم حياتو"

Monday, September 7, 2009

!ما بعد صلاح عزالدين

خالد برّاج







لكانت الضجّة التي أحدثتها إفلاس رجل الأعمال و المال صلاح عزالدين في الأسبوع المنصرم تمرّ مرور الكرام و تقتصر على خسائر مالية لأشخاصٍ ميسّري الحال و بعض رجال الاعمال و شركاتهم لولا التداول الإعلامي حول تعرّض بعض قياديي حزب الله النافذين و بعض مؤسسات الحزب الرسمية أو التي تدور في فلك الحزب إلى خسائر مالية من العيار الثقيل نتيجةً لتعاملهم المالي مع السيِد صلاح عزالدين, ثلاث تحديات أمام قيادة الحزب تجاه ما حصل أو ما قد ينتج عن ردّات فعل على الصعيد الداخلي للحزب:
أولاً : مصداقية قيادة الحزب تجاه الحزبيين و المناصرين الملتزمين عقيدة الحزب الدينية (و هم بالأساس ملتزمون العقيدة الدينية قبل إلتزامهم بمشروع المقاومة) , و من المعلوم أنّ تلك العقيدة المبنية أساساً على الترفّع عن ملذّات و مغريات الحياة و نكران الذات و الزهد في الآخرة هي من الركائز الأساسية عند التنظيمات الإسلامية و الحزب تنظيم إسلامي قبل أن يكون تنظيماً مقاوم يتّخذ من السيرة الكربلائية بما تمثِل من ترفّع عن ملذات الحياة من مالٍ و جاهٍ و صرخة حقٍ بوجه الطغيان و الظلم أساساً لرسالته السياسية و الإجتماعية في مجتمعنا اللبناني المتنوِع.
السؤال : كيف ستبرِر قيادة الحزب لشريحة كبيرة من الملتزمين العقائديين غرق بعض القياديين في وحولٍ دنيوية هي أبعد ما تكون عن رسالة الحزب الدينية و الدور الريادي الإسلامي الذي يلعبه الحزب ؟
ثانيا ً: الخسائر المالية و تأثيرها على إلتزامات الحزب الإجتماعية تجاه "مجتمع المقاومة" من عوائل شهداء و جرحى مروراً بمؤسسات الحزب التعليمية و التربوية و الثقافية إضافةً إلى مدى تأثير تلك الخسائر على البنى العسكرية الخاصة بالمقاومة و أفق و أطر تطويرها مستقبلاً.
السؤال : هل يستطيع الحزب الإعتماد فقط على المساعدات الإيرانية المالية و العينية ؟ علماً انّ بعض الإشاعات تتحدّث عن نوعٍ من تقنينٍ أو تخفيضٍ في المساعدات الإيرانية على إثر بروز أصوات عدّة في الجمهورية الإسلامية (حتّى ضمن فريق عمل المحافظين) تطالب بخفضها لما في ذلك من بداية تأثيرٍ سلبي على الإقتصاد الإيراني بشكلٍ عام.
ثالثاً : تأكيدات حول مساهمة و ضلوع اللوبي الصهيوني و إسرائيل بشكلٍ غير مباشر على الأقل بتلك الخسارة (الإفلاس) التي تعرّض لها رجل الأعمال صلاح عزالدين و هي كما يؤكِد بعض المحلّلين و الصحافيين حرب من نوع آخر تشنّها إسرائيل على الحزب مرادها الإقتصاص من الحزب بتوجيه ضربة إقتصادية/مالية له تأتي بثمارها من خلال إحداث حالات من النقص في الموارد المالية للحزب و تؤدي إلى خفض في مستوى التسلّح و التجهيزات اللوجستية مّما ينعكس سلباً على عمليّات الحزب العسكرية و الإستخباراتية إضافةً إلى تأثيرها المباشر على باقي مؤسسات الحزب.
السؤال : كيف سيكون ردّ فعل الحزب إذا صدقت الإشاعات حول ضلوع إسرائيل و لوبيها الصهيوني المنتشر في العالم في الإفلاس الذي تعرّض له رجل الأعمال صلاح عزالدين  ؟
أسئلة و تحدّيات من نوعٍ آخر تواجهها قيادة حزب الله للمرّة الأولى منذ نشأة الحزب في بداية الثمانينات, لا شكّ أنّ هناك حالة إرباك عند القيادة و المحازبين و ترقّب عند باقي اللبنانيين من المتعاطفين أو المنتقدين للحزب و أدائه  و المعطيات قليلة و الإشاعات أكثر لكن من الواضح و إن صدقت تلك الإشاعات أنّ حزب الله قد تلبنن أكثر من اللازم و إنّ إسرائيل قد بدأت بحربٍ تدميرية من نوع آخر يراد منها تحجيم و إضعاف مجال عمل الحزب السياسي, الإجتماعي و التربوي وصولاً إلى القضاء بشكلٍ كامل و نهائي على منظومة الحزب العسكرية و اللوجستية.





Sunday, August 30, 2009

عن غزّة

خالد برّاج




لماذا هذا الإستغراب ؟ و لماذا تلك الضجة حول الإجراءات التي إتّخذتها حركة حماس في قطاع غزّة في الآونة الأخيرة ؟
هل كان من المؤكد إحترام حركة حماس لحرية التعبير و حرية الصحافة ؟
هل أعلنت حركة حماس رسمياً من خلال قيادتها عن إعطائها ضمانات لباقي التنظيمات (غير حركة فتح) بعدم التعرّض لها ؟
هل كنّا على يقينٍ تام أنّ حركة حماس ستفرج عن معتقلي حركة فتح ؟
هل كنّا مقتنعين تماماً أنّ حقوق المرأة ستبقى مصانة في ظلّ حكم حركة حماس ؟
هل كنّا واثقين إلى حدٍ كبير إلى عدم مساس حركة حماس بلباس المرأة ؟
هل كنّا من المنظرِين إلى إحترام حركة حماس لحرية العمل النقابي؟
هل أعلنت حركة حماس أكثر من مرّة إعجابها بالفن و الثقافة و تقديرها لمثّقفي فلسطين كالشاعر الراحل محمود درويش؟
هل و هل و هل...
بل على العكس ,
كنّا على يقينٍ كافٍ و لا نزال أنّ من نكّل بأهل غزّة و إغتصب ذاكرتها و داس على وحدتها و رمى مناضليها من على أسطح البنايات و شرفات المنازل ليس إلاّ فاشيٌ منمّق يشبه إلى حدٍ بعيد هذا الصهيوني المتعجرف الكامن لحرية فلسطين و أهلها.
كنّا واثقين ولا نزال من أنّ الأمور في ظل حكم و حكومة حركة حماس ستؤول إلى قمعٍ للحريات و إجراءات تعسّفية لا تمتّ إلى تاريخ نضال الشعب الفلسطيني بصلة...
كنّا من أكثر الناس إقتناعاً و لا نزال أنّ حركة حماس تمارس و تحرِض على التمييز الطائفي بين الفلسطنيين و هو أمر لم تشهده القضية و المقاومة الفلسطينية منذ نشأتها...
كنّا على علمٍ تام و لا نزال أنّ من نشأ على تعاليم الفكر التكفيري و الظلامي ليس من شيمه و أخلاقه صون حرية المرأة و حقوقها, ليس من خصائله تشجيع الثقافة و الفن, ليس من عاداته تقبلّ و مناقشة الفكر الأخر...هو يؤمن بالقمع و العنف فقط, لا يقبل الحوار أو النقاش.
و كنّا و ما زلنا...
فلماذا هذا الإستغراب و التعجّب إذاً ؟
هل هو دليل عن عجزٍ ما أم إحباطٍ داخلي نتيجة ما ألت الأوضاع إليه على الساحة الفلسطينية ؟ هل هو إشمئزازٌ من منظر هذا "الحمساوي" و هو يدوس على صورة "أبو عمّار" رافعاً راية النصر ؟ هل هو حنين إلى علمانية القضية الفلسطينية و فصائلها المنضوية تحت شرعية عباءة منظمة التحرير الفلسطينية ؟
أسئلة كثيرة يطرحها من عرف فلسطين منذ الصغر و عشقها و إعتبرها (و لا يزال) القضية الأولى , إنّها قضية فلسطيني يتمّ تهجيره و قتله منذ أوائل القرن العشرين على يد آلة إجرامٍ منظّمة إسمها الصهيونية , إنّها قضية فلسطيني خذلته جميع الأنظمة الشقيقة التقدمية منها و الرجعية, إنّها قضية فلسطيني أصبح الأن محاصراً بين كمّاشةٍ صهيونية و مطرقةٍ أصولية...
و بين إشتداد الكماشة و حدّة المطرقة شعبٌ يصيح من العذاب و الظلم و القتل و القمع, لا يزيده بؤساً سوى سماعه الخطب اليومية لزعماء و عظماء الأمة (من المحيط إلى الخليج) المزايدون على أهل غزّة من قصورهم العاجية و أنظمتهم المهترئة.



Monday, June 29, 2009

جاد المالح ومأساة مسرحية مناهضة التطبيع

خالد برّاج

لست على دراية كافية بخلفية جاد المالح الفكرية والسياسية ولست واثقاً من الروايات المتعلِقة بدعمه المطلق أو المشروط لجيش الدفاع الإسرائيلي ومشاركته ببرامج ترويجية خاصة بوزارة الدفاع الإسرائيلية، لكني تابعت ما حصل في الآونة الأخيرة من خلال الحملات الإعلامية اللبنانية المنتقدة (وخصوصاً تلفزيون المنار) لاستضافة هذا الفكاهي الفرنسي "المغربي اليهودي" الأصل خلال ثلاث حفلات ضمن فعاليات مهرجانات بيت الدين المقرّرة خلال صيف 2009، وهذا الأمر استوقفني أو أعادني إلى الماضي من خلال عدّة محطات أو حوادث شبيهة هي بالأصل ذو علاقة وثيقة بموضوع اليهود واليهودية وإسرائيل والصهيونية ومكافحتها...
الحادثة الأولى حصلت عام 1998، تاريخ الذكرى الخمسين لنكبة فلسطين، وكانت مجموعة من المثقفين اللبنانيين قد حدّدت نشاطات متفرِقة متعلِقة بالنكبة ودعت إليها مجموعة كبيرة من المثقفين من مختلف أرجاء العالم ومن ضمنهم بعض الكتاب والمفكرين اليهود المعروفين بعدائهم للصهيونية ودولة إسرائيل، إلاَ أنّ بعض الأحزاب في لبنان ومن ضمنها حزبٌ علماني عريق يجاهر بعلمانيته في شتّى المناسبات شنّ حملةٍ عشواء على منظّمي فعاليات ذكرى نكبة 48 ووصفهم بالصهاينة ومضلَلي الرأي العام حتى وصل الأمر ببعض "الرفاق" في الحزب العلماني بتوجيه تهديدات مباشرة بالقتل إلى المنظّمين وصولاً إلى الوعد علناً وعلى مسمع من الصحافة والإعلام بتفجير مقر إقامة النشاطات في حال حضور هؤلاء الكتاب والمفكّرين... طبعاً انتهى الموضوع بعدم حضورهم إلى بيروت خوفاً من أن ينفِذ "العلمانيون" ما وعدوا به لكنّ سمير قصير بقلمه وجرأته المعهودة أبى أن يسكت عن هكذا أمر ووصف ما حدث في مقالٍ شهير في جريدة النهار عنوَنه : "مدّعو قوميةٍ ما".
الحادثة الثانية حصلت في نفس العام ولا دخل لها لا من قريب ولا من بعيد بالموضوع الفلسطيني وذكرى النكبة ومسرحها كان كافيتريا المبنى الموحّد للجامعة اللبنانية حيث أصدر مجلس الطلاب المكوّن بغالبيته من محازبي ومناصري حزب الله قراراً بمنع بثّ أغاني فيروز في الكافيتريا، وعندما قام بعض الطلاب بالاستفسار عن الموضوع فوجئوا بردٍ واضح من قبل مجلس الطلاب مفاده أنّ أغاني فيروز تثير الغرائز الجنسية عند الطلبة! لكن الطلاب أعادوا مرةً ثانية استيضاح مجلس الطلاب حول هذا الموضوع غير مصدِقين ما سمعوه في المرة الأولى، إنّما الردّ جاء هذه المرّة عنيفاً وعلى لسان أحد مسؤولي الحزب في الجامعة متّهماً الطلاب بعدم الالتفات إلى دراستهم وتحصيلهم العلمي والانهماك والانشغال عوضاً عن ذلك بالأمور التي يحرِمها الدين إضافةً إلى الاستماع إلى ألحانٍ موسيقية هي أساساً غربية يهودية!
الحادثة الثالثة وقعت عام 2006 وعلى أثر انتهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان، بدأت الوفود العربية وغيرها بزيارة لبنان والاطّلاع على الدمار و الخراب الذي خلّفته الهمجية الإسرائيلية في معظم المناطق اللبنانية، و كانت المحطّة الأساسية (إضافةً إلى بلدات الجنوب) هي الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت حيث نالت النصيب الأوفر من الصواريخ والقذائف الإسرائيلية حيث ظنّت القيادة الإسرائيلية أنّها ومن خلال تكثيفها لحدّة القصف تستطيع اغتيال السيِد حسن نصرالله والقضاء بشكلٍ أساسي على البنى الداخلية الخاصة بالحزب... إلاّ أنّ النتيجة أثبتت عكس ذلك و جاءت الوفود العربية لمعاينة الضاحية الجنوبية ومن ضمنها وفدٌ قطري رفيع المستوى ضمّ رئيس الوزراء وشخصيات أخرى، وتمّ استقبال الوفد من قبل قيادة حزب الله بالترحيب والتهليل ودخل الوفد إلى الضاحية الجنوبية كدخول صلاح الدين الأيوبي إلى مدينة القدس على أثر هزيمة ريكاردوس قلب الأسد وتناسى الجميع أنّ أبنية وطرقات الضاحية الجنوبية قد دمّرتها الصواريخ الذكية وغيرها من القذائف والصواريخ التّي قامت الولايات المتحدة بتزويدها بشكلٍ يومي إلى جيش الدفاع الإسرائيلي عن طريق قاعدتها في دولة قطر!!!
الحادثة الرابعة حديثة العهد وهي من العام الماضي حيث منعت السلطات اللبنانية عرض الفيلم الإسرائيلي "فالس مع بشير" إضافةً إلى منع استيراد أقراص الـ"دي في دي" الخاصة بالفيلم وذلك وفقاً للأنظمة والقوانين اللبنانية المتعلِقة بمكافحة ومنع دخول البضائع الإسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية، إلاّ أنّ المستغرب هو الكميّة الهائلة من أقراص الـ "دي في دي" المقرصنة الخاصة بهذا الفيلم والتي بيعت في السوق وكان مصدرها واحد يقع ضمن مناطق سيطرة حزب الله ... وحيث أنّ الفيلم يسلِط الضوء على مجزرة صبرا و شاتيلا والمنفِذ أيّ الطرف اللبناني (القوات اللبنانية)، و بما أنّ هذا الطرف اللبناني على نقيض وصراع سياسي واضح مع حزب الله ومن المجدي سياسياً التذكير الدائم بماضيه "الإجرامي و العميل" فلا مانع من نسخ الفيلم وبيع نسخ مقرصنة عنه غير آبهين بالإنتاج الإسرائيلي لهذا الفيلم مغلِبين منطق مكيافيلي الشهير: "الغاية تبرِر الوسيلة"!ختاماً أعود و أكرِر ما قلته في بداية المقال، إنّني لست على دراية كافية بخلفية جاد المالح الفكرية والسياسية ولست واثقاً من الروايات المتعلِقة بدعمه المطلق.. لكن بالتأكيد فإنّ برنامج جاد المالح و"قفشاته" الفكاهية في مهرجانات بيت الدين لكانت أقلّ ضرراً ودماراً وقتلاً من الصواريخ الذكية الآتية عن طريق دولة قطر أو أكثر إنسانية من العصبيات العنصرية والفاشية الصادرة عن هؤلاء "مدّعي قوميةٍ ما" الممانعين في أزقّة وخبايا شارع الحمراء.

Tuesday, June 9, 2009

معنى الخسارة السياسية

خالد برّاج

كرّست الإنتخابات النيابية عام 2005 العماد ميشال عون كزعيمٍ أوحد للمسيحيين، وهو أمرٍ متّفق عليه إذا ما راجعنا نتائج الانتخابات في تلك الفترة و التي أفرزت أغلبية للجنرال في الوسط المسيحي قاربت الـ 70 % من أصوات الناخبين المسيحيين بمجمل طوائفهم.

كانت ردّة فعل الناخب المسيحي آنذاك شبه متوقّعة وجاءت نتيجة حلفٍ رباعي عجائبي بين حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي. أحسّ الناخب المسيحي أنّه مطعون في كرامته و خياراته وأنّ مسيحيي 14 أذار قد خانوه بمباركتهم لتحالفٍ لا يعود بالفائدة عليهم ويجعلهم أسرى تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي إضافةً إلى حزب الله المختلف معهم اجتماعياً وثقافياً وسياسياً.

صوّت الناخب المسيحي بكثافة للوائح الجنرال وأعطاه تفويضاً مطلقاً لم يحصل عليه أحد من قبله، لا بيار الجميل المؤسِّس في عزِ صرخة الكتائب وعنوافنها المسيحي، ولا كميل نمر شمعون في عزِ شعبيته وامتداده الشعبي والوطني بين مختلف الطوائف.
لكن ما الذي حصل بين حزيران 2005 وحزيران 2009؟

العنوان الأساسي لتلك المرحلة هو التغيّر التدريجي في مزاج الناخب المسيحي خلال أربع سنوات، وهذا التبدّل لم يأت وليد صدمةٍ معيّنة أو حدثٍ بحدِ ذاته بل جاء ثمرة سياسات وخيارات واضحة اعتمدها الجنرال والتيار الوطني الحر هي بالأساس غريبة عن التوجهّات التاريخية والسياسية للناخب المسيحي.

كانت الشرارة الأولى في توقيع ورقة تفاهم مع حزب الله في شباط 2006 غايتها حماية المسيحيين وتبديد مخاوفهم حيال حزب الله، خصوصاً في المواضيع الحسّاسة و المتعلِقة بسلاح المقاومة والدولة الإسلامية والعلاقة مع سوريا.
أحسّ بعض الناخبين المسيحيين أنهّم خدعوا خصوصاً أنّ ورقة التفاهم في مضمونها اعترفت للحزب بحق المقاومة المسلّحة حتى تحرير ما تبقّى من الأراضي اللبنانية، وهو أمرٌ كان يعتبره الجنرال مرفوضاً ومستهجناً تماماً في خطابه وأدبياته السياسية خلال فترة الانتخابات وما قبلها.
و كرّت السبحة...
المساهمة بشكلٍ فعّال بتعطيل عملية انتخاب رئيس جديد للجمهورية على أثر انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، والمعلوم أنّ رئاسة الجمهورية هي المركز الرسمي المسيحي والماروني الأول في لبنان وبه يعتزّ مسيحيو لبنان ويتطلعون إليه من اجل تثبيت مكانتهم وتعزيز دورهم واستعادة ما فقدوه من نفوذٍ وقوى خلال حقبة الوجود السوري في لبنان الذي أبعد ممثليهم الفعليين عن مراكز القرار في الدولة اللبنانية.

استعمال حزب الله لسلاحه في الداخل يوم 7 أيار 2008 (بغض النظر عن المسبِبات و تأويلات قيادة حزب الله) أزعج وأخاف هذا الناخب المسيحي، أحسّ الناخب المسيحي بخطرٍ على "مجتمعه" و"أمنه" و لم يقتنع بتوصيف أمين عام حزب الله السيِد حسن نصرالله وتبريرات "زعيم المسيحيين الأوحد" ميشال عون خصوصاً المتعلِقة بأنّ ورقة التفاهم هي التي حمت هذا "المجتمع" يوم 7 أيار.

الزيارة التاريخية لسوريا في كانون الأول / ديسمبر 2008 والتي استفزّت جمهوراً عريضاً من ناخبي الجنرال، وهذا الاستفزاز، أتى نتيجة إحساس الناخب المسيحي أنّ الجنرال أعطى الكثير لنظام الأسد الإبن من دون مقابل، فمن تغييره لمصطلح "المخطوفين من قبل أجهزة المخابرات السورية خلال فترة الحرب وما بعدها" إلى مصطلح جديد "مجرّد مفقودين أو متّهمين بجرائم عادية لدى السلطات السورية"، إلى تكريسه مبدأ "عفا الله عن ما مضى" في وصف حرب تحريره مع الجيش السوري ودخول الجيش السوري إلى مناطق "الشرقية" والتنكيل بضباط الجيش والاعتداء على البيوت والآمنين، مروراً بتبرئة النظام السوري و حلفائه (معظمهم حلفاء ميشال عون الآن) من تهمة الفساد و الهدر ومحاولة إلصاقها كلِياً بسياسات الحكومات الحريرية المتعاقبة خلال التسعينات... كل ذلك أدّى شيئاً فشيئاً إلى أن يبتعد الناخب المسيحي عن خياره الانتخابي السابق.

التطاول المنهجي والمبرمج على البطريركية المارونية وبالتحديد على شخص البطريرك صفير واتهامه في السر والعلن بالانحياز إلى قوى 14 أذار ووصفه بنعوتٍ مسيئة أثارت حفيظة الشارع المسيحي يشكلٍ عام.

الهجوم المركّز على رئيس الجمهورية من قبل الجنرال وحلفائه في الفترة الأخيرة ووصفه بالطرف بدل الحكم والهمس من قناة تقصير ولاية الرئيس "الماروني" في حال فوز المعارضة في الانتخابات النيابية.

إضافةً إلى كميةٍ هائلة من فبركة الأخبار والتطاول على معظم السياسيين (حتى الحلفاء منهم) والتعرّض بكلامٍ نابٍ ومعيب لصحافيين وتهديد وسائل إعلام مقروءة ومرئية، وتبرئة الضباط الأربعة من جميع ما اقترفوه من قمعٍ وافتراءٍ وترهيبٍ (معظمها بحق مناصري الجنرال) خلال فترة تولّيهم مهامهم الأمنية والمخابرتية.

لكن ميشال عون لم يخسر انتخابات 2009 بعدد مقاعد مجلس النواب بل خسرها فقط في السياسة وبالمفهوم الطائفي للتمثيل الشعبي...

لم يخسرها في عدد النواب لأنّ وثيقة تفاهمه مع حزب الله أمّنت له المقاعد في بعبدا وجبيل وجزين حيث صوت حزب الله كان مدوِياً. تحالفه مع حزب الطاشناق ومغتربيه أنقذه في المتن الشمالي، وكسروان أنقذته في اللحظات الأخيرة وبفارقٍ ضئيل عن منافسيه بعدما أعطته أصواتها وروحها في الانتخابات الماضية...

أمّا في السياسة فإنّ الجنرال قد خسر كثيراً...

الجنرال خسر في السياسة لأنّه خسر رهان فريق المعارضة عليه بتحقيقٍ نصرٍ تاريخي في عدد المقاعد ونسبة التصويت المسيحي المؤيد له...

الجنرال خسر في السياسة لأنّه أصبح الأن تحت رحمة حلفائه كحزب الله و حزب الطاشناق الذّيَن شكّلا رافعة انتخابية له...

الجنرال خسر في السياسة بالتّدني القياسي في نسبة التصويت المسيحي للوائح الإصلاح والتغيير.

الجنرال خسر في السياسة لأنّه لم يعد يستطيع القول بأنّه "زعيم المسيحيين الأوحد"...

الجنرال خسر في السياسة لأنّه لم يعد يستطيع اتهام الأكثرية بأنّها أكثرية وهمية أو عابرة...

الجنرال خسر في السياسة لأنّ تحالف المعارضة ظلّ أقلّية و تحالف 14 آذار ظلّ أكثرية...

و لأسباب كثيرة و متشعِبة منها ما يُقرأ في السياسة ومنها ما يقرأ في الطوائف والمذاهب وتموضعها السياسي والاجتماعي.
وعليه فإنّ السؤال الواجب طرحه اليوم أصبح واضحاً وبحاجة إلى جوابٍ عاجل من قيادة حزب الله: ما مصير وثيقة التفاهم بعدما فقد الجنرال لقب "زعيم المسيحيين الأوحد"؟

Tuesday, May 26, 2009

أصدقاء اليوم... أعداء الأمس

خالد برّاج

بينما كان أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي (الذي قال عنه ميشال عون على أثر إغتياله: أبصر بي شو مورّط) وأمين عام منظمة العمل الشيوعي في لبنان محسن إبراهيم يعلنان (وعلى إثر إحتلال جيش الدفاع الإسرائيلي لمدينة بيروت) من منزل القائد المعلم كمال جنبلاط إنطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) لتبدأ العمليات البطولية من صيدلية بسترس مروراً بمحطة أيوب وعشرات العمليات في مدينة بيروت وصولاً إلى إخراج جيش الإحتلال من العاصمة ومطاردته وتكبيده الخسائر في الجنوب و البقاع الغربي من خلال العمليات النوعية كعملية تدمير إذاعة العميل أنطوان لحد عام 85 وعملية جبل الشيخ عام 88 وعملية الريحان عام 89 والمئات المئات من العمليات النوعية التي أخذ يقل عددها خلال النصف الثاني من الثمانينات على أثر قيام قوى الظلامية و الأمر الواقع ويإيعازٍ مباشر من النظام السوري بتصفية 17 قيادياً شيوعياً (من مسؤولي جبهة المقاومة) و التنكيل بآلاف الشيوعيين وعائلاتهم في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، كان ميشال عون (الرجاء الاطلاع على الصورة) الذي يدّعي الآن حرصه على المقاومة والجنوب يتصافح و يتسامر و يأخذ الصور مع ضباط الجيش الإسرائيلي، وعندما قام صحافي بسؤاله عن تلك الصورة، ردّ "الجنرال" غاضباً كعادته قائلاً: "هيدا شي من الماضي بعدين انا كنت بالجيش ومجبور نسِق مع سلطة الاحتلال".

غريب أمر هذا "الجنرال" الذي كان يَعتبر المقاومة في أوجّ عملها خلال الثمانينات مغامرة لن تدرّ إلاّ الخراب على البلاد و هي تضرّ بالجنوب و الجنوبيين أكثر ممّا تفيدهم، و"الجنرال" لم ينكفئ عن هذا بل ظلّ على موقفه من المقاومة مع بروز نجم حزب الله كمقاومة إسلامية وانكفاء عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية على اثر الاغتيالات التي طالت قيادييها و محازبيها.فالجنرال لم يترك مناسبة (و ذلك قبل توقيع وثيقة التفاهم بين التيار الوطني الحر و حزب الله يوم 6 شباط 2006) إلاّ و أعلن انتقاده العلني و استهزاءه بالمقاومة الإسلامية واعتبار حزب الله تنظيماً سورياً/إيرانياً وعلى حدّ قوله بالعامية: "حزب الله هو امتداد لسياسة دولتين هني إيران وسوريا في لبنان وأعمالهن هني تحت مراقبة هل الدولتين...لمّا تتعالج سوريا بروح حزب الله من لبنان، و لكن إذا انضرب حزب الله بلبنان رح بضّل سوريا تورِدلنا حزب الله تاني وتالت ورابع و خامس".

لكن مواقف "الجنرال" في تلك الحقبة لا تعود مستغربة عندما نراجع أدبيات وخطابات حزب الله و السيِد حسن نصرالله (الذي لم يكن قد اصبح أميناً عام بعد) في عامي 1989 و 1990، و يكفي أن نعطي مثالاً على ذلك ما قاله السيّد حسن نصرالله عام 1989 في إحدى حسينيات برج البراجنة خلال حفل تأبين أحد شهداء المقاومة الإسلامية: " أمّا أنّ ميشال عون مشكلة، فلأنه حالة إسرائيلية صدامية تدميرية ولا يرى إلاّ مصالحه الشخصية ومصالح طائفته، فهو النهج الماروني العنصري بالشرقية". هذا كان رأي حزب الله بميشال عون خلال الحقبة الماضية أي قبل التوقيع على وثيقة التفاهم الشهيرة عام 2006.

البعض سوف يقول أنّه لا عداوات أو صداقات دائمة في السياسة و هو أمرٌ يدرّس في أوّل سنة علوم سياسية في الجامعات، لكن هل تلك النظرية محصورة فقط في النقاش السياسي الكلاسيكي المتمثل بصراع البرامج السياسية والموازنات والتعيينات الإدارية ؟ أو يمكن تطبيقها أيضاً في أمور تتعلّق بمصلحة الدولة و الاتهام بالعمالة والخيانة؟ الواضح أنّ حزب الله قرّر نسيان الماضي و سامح "الجنرال" على هفواته و أخطائه الماضية. و المعلوم أيضاً أنّ "الجنرال" أصبح مدافعاً شرساً عن سلاح المقاومة و مجتمع المقاومة و كل شيء يتعلّق بالمقاومة، لكنّ الغموض ما زال يحوم حول هذا التغيير الجذري في سلوك الطرفين، هل هناك وعود سياسية خفيّة لم تظهر إلى العلن بعد (غير وعود الرئاسة) أو أنّ "الجنرال" و "الحزب" قرّرا المضي كحلفاء 14 آذار بإعطاء براءات ذمة لبعضهم البعض و نسيان الماضي؟ أسئلة كثيرة بحاجة إلى أجوبة لكن بالتأكيد فإنّ أولى الأجوبة كان يوم 7 ايار 2008.

Monday, May 11, 2009

مواطن، أحزاب، و ألوان

خالد برّاج

أصبح صعباً على أي مواطن شيخاً كان أو شاباً أو امرأة أو حتى طفلاً اختيار ألوان ملابسه، فكل لونٍ أصبح له في هذه الفترة مدلول وتبعية سياسية معيّنة، ولم يعد بمقدور أي مواطن لبناني مقيماً كان أو مغترباً ارتداء قميص برتقالي أو أزرق أو غيره من الألوان إلا وتعرّض لوابل من الانتقاد أو الترحيب، و يمكن حصر هذا الموضوع حالياً على الشكل التالي:

اللون البرتقالي الخاص بميشال عون وتياره الوطني الحر شبه غائب في الشطر الغربي لمدينة بيروت وفي أماكن نفوذ قوى 14 آذار، حتى أنّ غياب هذا اللون عن لبس المواطن اليومي في تلك المناطق أصبح يضاهيه إقدام بعض التجار وأصحاب محلاّت الألبسة و الموضة على عدم استيراد و بيع ألبسة برتقالية! حتى أنني، (وأنا من محبي هذا اللون منذ الصغر)، أصبحت مؤخراً أتجنّب ارتداء قميص أو "تي شرت" لونها برتقالي كي لا أُسأل السؤال نفسه: "شو صاير عوني" أو "ما عيب عليك لبِس أورانج".

اللون الأزرق بجميع درجاته أصبح ملكاً لتيار المستقبل وهو بطبيعة الحال خفيف الوجود في مناطق حزب الله والتيار الوطني الحر وحلفائهم، ويفاخر مناصرو قوى 8 آذار بازدرائهم وعدم ارتدائهم لألبسة زرقاء سماوية بالتحديد لانّ هذا اللون هو رمز سياسات الفساد والسرقة والهدر إلى آخر المعزوفة... على حدّ قول أحد مناصري "حزب الله" الذي مازحني يوماً قائلاً وكنت مرتدياً ربطة عنق زرقاء سماوية "لبسلك غير لون، ضروري هل اللون، سمّيتلي بدني".

اللون الاخضر يتقاسمه أكثر من طرف، فهو بطبيعة الحال محبّب عند أنصار حركة المحرومين أو ما يعرف منذ عشرات السنين بحركة أمل (أفواج المقاومة اللبنانية) وهذا العشق لهذا اللون يشاطره فيه أنصار تيار المردة إنمّا بتفاوت بريق اللون وما أجمل تلك الصورة وأنقاها عندما يتلاقى أنصار الفريقين في مهرجانات و خطب 8 آذار ويتشابك لونا الأخضر المردي والأملي مع بعضهما ليعلنا احتكار اللون تاركين مساحة خضراء صغيرة للجماعة الإسلامية ونادي الأنصار الرياضي.

أصفر المقاومة والشهادة وهو بطبيعة الحال موجود بكثرة في مناطق سيطرة حزب الله وحتى خارج تلك المناطق لأنّه يستمدّ قوته ونفوذه من مالٍ طاهر وسلاحٍ ظاهر وهو إذ تخلّت مجموعة كبيرة من مناصري 14 آذار عن ارتداء لباسٍ بهذا اللون "نكاية بحزب الله" على حدِ تعبيرهم، فإنّ انتقاد أو إبداء الامتعاض من موديل أو تصميم (وليس اللون) قميص أصفر يرتديه مواطن أصبح موضوعاً حسّاساً يُفهم على أنّه انتقاد للحزب وتشكيك بسلاحه و يشكِّل استفزازاًً لمجتمع المقاومة.

أحمر الثورة منقسم على بعضه، فيسار 14 آذار المتنوِع ما زال متمسِكاً بالشعار الأحمر والتيشرت الحمراء رغم الليبرالية التي تنسب إليه ممّا يزيده ازرقاقاً على لونه الاحمر ويجعله أقرب إلى اللون الزهري (إسوةً باليسار الأوروبي)، وحليف 8 آذار أي الحزب الشيوعي الرسمي (المنهمك بالتفتيش عن قواعده) مستاء من قلّة اللون الأحمر في مهرجاناته ولباس محازبيه و ذك لقيام معظم محازبيه بإستبدال اللون الأحمر تارةً باللون بالأصفر وتارةً باللون البرتقالي.

و اللائحة تطول وتطول...

***

عندما قام صديقي رامز بدعوتي إلى حفل عشاء كان يقيمه في منزله منذ بضعة أيام، أصّر على أن يرتدي جميع المدعوين رجالاً و نساءً قمصاناً ولباساً أبيض، لا عجب في الموضوع أنَ مضيفنا العزيز كان يحاول إضفاء نوع من التمايز على حفلته لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ اللباس الأبيض قد جنّبنا ملاحظات من نوع "شو غيرِت، صرت مع عون" وأنقذنا من الدخول في سجالات سياسية عقيمة كانت كفيلة بإنهاء الحفل باكراً.

Sunday, May 3, 2009

حلم رقم واحد.. انقلاب في لبنان

خالد برّاج


كانت الساعة الثامنة إلا بضعة دقائق مساءً عندما إتصل بي أحد الأصدقاء من بيروت قائلاً : ولو وينك؟ دوِر التي في بسرعة، في ناس عملوا انقلاب و ما منعرف مين هني...
أدرت التي في ورأيت أمامي مشهداً جديد لم أجد فيه المذيعة المعتادة أو السياسي الشهير أو المؤتمر الصحافي اليومي بل شاباً في مقتبل العمر جالساً على كرسيٍ من قش يتحدث العربية بطلاقة معلناً أنّ الشعب قدّ كلفّه مع مجموعة من الشبان الشابات بتنفيذ بعض الرغبات الخاصة و بدأ بتعدادها بشكل عفوي و غير منظّم :
اعتقال جميع القادة السياسيين و الوزراء و النواب و رؤساء وأمناء عام الأحزاب وزجهم في السجن من دون محاكمة إلى أبد الآبدين عملاً بمقولة سان جوست الشهيرة: "لا حرية لأعداء الحرية".
توقيف العمل بالنشيد الوطني لأنّه حالياً و بالعامية "كلنّا عل الوطن وليس كلّنا للوطن" والاستعانة بأغنية الفنّان الراحل شوشو "شحّادين يا بلدنا" كنشيد وطني بديل.
حلّ جميع الأحزاب و الحركات والجمعيات الطائفية والمذهبية إضافة ً للحزب الشيوعي كونه أصبح لصاحِبِه الحزب الديني صاحب السلاح والمال الطاهر.
تسليم حزب السلاح لسلاحه خلال مدة أقصاها اسبوع لأنّه و بالعامية: "إذا ما سلم السلاح هلك بالمليح بكرا بدوّا يسلمو غصب من عنوا".
إعادة الاعتبار لإتفاقية الهدنة و الطلب من القوى الأمنية الإنتشار بشكل جدّي في المنطقة الحدودية والردّ بجميع الأسلحة على الكيان إذا ما خرق برّنا أو سماءنا أو بحرنا لأنّه و بالعامية "مش شغلتن يشربو معهن قهوة و شاي متل ما صار بهديك النهار".
تأميم جميع أملاك وسيارات وفلل القادة السياسيين والوزراء والنواب ورؤساء وأمناء عام الأحزاب و إعادة توزيعها على ذويّ الدخل المحدود.
طرد السفير الأمريكي و السفير الإيراني و يظّل القرار نافذاً لحين ان يتمّ الاتفاق بين البلدين حول الأمور العالقة وتبرير ذلك هو وبالعامية: "مش معقول يضلّو البلد موّتر لإنوا الأمركان والإيرانية ما طايئين بعض".
ترسيم و تحديد وتهذيب الحدود مع الجارة وتبرير ذلك وبالعامية: "بركي إذا هذَبنا الحدود بحسّوا عا دمّن شوي".
حلّ وزارة الإعلام والاستعاضة عنها بالمجلس الوطني للإعلام على أن يُحل هذا الأخير لأنّه وبالعامية "ما إلو طعمة".
دخول القوى الأمنية إلى المربعات الأمنية لأنّه و بالعامية "محلها هونيك ومش صحيح إنّو ما إلون جلادة"
حلّ مجلس النواب ورئيسه ( تمّ اعتقاله مع القادة السياسيين) وانتخاب مجلس جديد على أساس غير طائفي على شرط أن يكون قد تمّ موضوع حلّ جميع الأحزاب والحركات والجمعيات الطائفية و المذهبية.
إعطاء إذن لرئيس الجمهورية بأخذ إجازة مفتوحة يستطيع أن يمضيها في أراضي الله الواسعة.
حلّ قيادة الاتحاد العمالي الحالي لأنّها و بالعامية " أرطو العمال و هرب شاهين"
منع إستعمال الكلمات والمفردات التالية لوقت غير محدّد: الهجمة الأمريكية على المنطقة – نشر الديمقراطية في المنطقة - قوى الممانعة و قوى الاعتدال – المقاومة الرادعة – زي ما هيِ – في مكانٍ ما – إتنيِ – النظام الخائن – البيك – الشيخ – سيِد المقاومة – الحاج محمود والحاج وفيق - الحكيم – الجنرال – الرفيق – الرقم 8 - الأخ – الشهيد – وئام - الشيطان يسكن في التفاصيل – الجماهير- التعددية – الثلث الضامن – التعطيل – الأكثرية – الأقلية – الرقم 14 – شهر آذار (إلاّ في مدلوله كشهرٍ في السنة) – يا أشرف الناس – إلى أين؟ – انتصار إلهي – الحوار وطاولة الحوار – المديونية العامة – المال الطاهر والمال غير الطاهر - فرع المعلوماتية ...
الطلب من جميع وسائل الإعلام و الصحافة أن...
وإذ برنين جرس المنبِه يوقظني من منامي في تمام الساعة الثامنة صباحاً، كان حلماً فقط لا غير لعلّه يتحقق في يومٍ ما، وإلى ذلك الحين أقتبس من أغنية مرسيل خليفة لكي أقول: تصبحون على وطن.

Sunday, April 26, 2009

عن الستاند آب كوميدي في العالم العربي

خالد برّاج


تكثر في الآونة الأخيرة بين بيروت و دبي مروراً بعمَان الحانات و المقاهي التي تتباهى بتقديم عروض الستاند آب Stand-Up Comedy على غرار تلك الحانات الأمريكية و الأوروبية التي دأبت على تقديم مثل تلك العروض منذ عشرات السنين.

لا شك أنّ عروض الستاند آب هي محاولة لخلق جو فكاهي/ نقدي جديد على عالمنا العربي الحزين المكتظ بالأنظمة والقادة والجهل وزنازين الشعوب، ولعلّ بروز هذا النمط الفني/المسرحي الجديد في مدننا العربية يعود إلى الترويج له من قبل بعض المحطات والشبكات التلفزيونية الفضائية من خلال بث أبرز عروض الستاند آب في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، حتى أنّ شبكة شوتايم العربية قد قامت في الأمس القريب بإنتاج برامج وعروض متنقلّة خاصة بالستاند آب مستقدمةً ستاند آب كوميديين محترفين من الولايات المتحدة ممّا دفع ببعض الشباب العربي الى التمثُل بهم وخوض تلك التجرية من خلال بعض المقاهي التي شرعّت أبوابها لهؤلاء الشباب آملةً بذلك استقطاب جمهور متنوِع يبحث عن فسحة مرح في عالم عربي مليء بالسباب والشتائم والتخوين.

لكن لعّل خوض تلك المغامرة من قبل مجموعة من الشباب العربي ولا سيّما اللبنانيين والمصريبن و الأردنيبن بشكل خاص قد طرحت علامات استفهام كثيرة فيما يتعلّق بجودة ومحتوى العروض المقدّمة إلى غاية الآن، وإذا آخذنا بعين الاعتبار ابتعاد الستاند آب كوميدبين العرب عن أسلوب بعض أشهر الستاند آبس كريشارد براير و إدي مورفي لأسباب متعلّقة بمحرمات وطبيعة العالم العربي (السباب والشتائم على المسرح – التلميحات الجنسية – الانتقاد الديني – الانتقاد السياسي المباشر إلخ...) و الاعتماد بشكل واضح على أسلوب و واضيع تشبه إلى حدٍ ولو بسيط أسلوب جيري ساينفلد وبيل كوسبي وبيلي كريستل (أي الابتعاد عن المواضيع الجنسية الواضحة والسباب والشتائم المباشرة على المسرح) فإنّ محتوى العروض بشكل إجمالي هو إلى حدّ الآن أقل من الوسط و ذلك يعود لعدة أسباب / عوائق أهمّها التالي:

- إفتقار بعض الستاند آب كوميدين العرب إلى الموهبة وحس الفكاهة والدعابة رغم المحاولات التي يقومون بها خلال العرض والتي غالباً ما تبوء بالفشل لانّ الموهبة هي بالفطرة ولا يمكن إستحداثها بمجرّد أن يقرِر شخصاً ما خوض غمار الستاند آب كوميدي.

- استحضار النكتة اليومية إلى خشبة مسرح الستاند آب علماً أنّ المقصود والمعروف عالمياً أنّ الستاند آب كوميدين يستمدون مواد العرض من الأمور اليومية والحياتية حيث يقومون بعرضها مستخدمين أسلوباً نقدياً ساخراً، على أنّ إخبار النكت اليومية التي يتداولها الناس من قبل مجمل الستاند آب كوميدين العرب لا تمط بصلة إلى مفهوم و مبدأ الستاند آب كوميدي.

- محاولة تقليد أسلوب وطريقة الستاند آب كوميدين الاميركيين ممّا يسبِب بضياع العرض بشكل كلّي لاختلاف الجمهور وتفاوت المواضيع التي ما غالباً يحاول البعض نقلها من إطارها الاميركي الصرف إلى إطارٍ محلي ممّا يؤدي في كثيرٍ من الأحيان إلى كارثة لعدم استيعاب الجمهور/ المشاهد العربي لها.

- الاعتماد على الغناء الفكاهي و الهزلي كمحاولة لكسر الجليد مع الجمهور ممّا يؤدي إلى ضيق خلق الجمهور لكثرة الغناء خلال العرض وافتقار كلمات ونص الأغنية إلى مقوِمات المعنى و السخرية الهادفة.

إنّ محاولات خلق مساحة للستاند آب كوميدي في عالمنا العربي هي محاولات جريئة وموضع احترام ممن يقدّر هذا النوع من الفن وهي بالنتيجة تغني الوسط الفني بوافدٍ جديد يقف على مسافة واحدة من السينما والمسرح والغناء و الشونسونيه، إلا أنّ تلك المحاولات معرّضة للفشل (ممّا يؤدي إلى فشل التجربة يشكلٍ عام) إذا ما استمرّت تلك العوائق في الظهور عند كلِ عرضٍ سواءاً كان الستاند آب لبنانياً، مصرياً أو أردنياً.

Monday, June 30, 2008

في ذكرى كلود سوتيه : مخرج الواقع اليومي

The article that follows is the first contribution of Khaled Barraj to Arabdemocracy. Khaled is Lebanese and is based in Saudi Arabia where he works as a training specialist for a major media firm in the field of Pay TV. His broad cinematographic culture and interest in the history of the 7th Art qualifies him as an amateur film critic. We hope that you will enjoy reading his insight into this fascinating industry that has shaped popular culture like no other.


Arabdemocracy


خالد براج


تعود ذكرى وفاة المخرج والكاتب السينمائي الفرنسي كلود سوتيه هذه السنة لتحيي الجدل الجديد-القديم القائم بين معظم العاملين في قطاع السينما في فرنسا حول توصيف أعمال المخرج القدير، ومن خلالها وضع حد لسوء التفاهم الناجم عن وصف كلود سوتيه بمخرج برجوازية "السبعينات" الحزينة من قبل بعض النقاد.

على عكس التيار السينمائي الذي ساد في أواسط الستينات وبداية السبعينات والمتمثل بأعمال مخرجي "الموجة الجديدة" كـ فرنسوا تروفو وجان لوك غودار وإريك رومر وغيرهم، فإن كلود سوتيه إختار لنفسه نمطاً مغايراً تماماً وجنح نحو وصف علاقة الفرد البرجوازي و" شبه البرجوازي" بمحيطه وأصدقائه. قام سوتيه بذلك من خلال الإعتماد على عنصر أو حادثة معينة في النص السينمائي اعتبرها كفيلة بإبراز مشاكل هذا الفرد مع نفسه ومع محيطه الحالي والواقعي (على غرار مخرجي "الموجة الجديدة" الذين إعتمدوا ولجأوا في بعض الأحيان إلى مع يعرف بالفانتازيا).

لم تشد سوتيه إبداعية وثورية "الموجة الجديدة"، بل ظل محافظاً على بعد كلاسيكي طوره من خلال وصفه لقصص رومانسية معقدة أو مستحيلة تتلاقى في ذروتها مع شخصية الفرد البرجوازي المثقل بهمومه اليومية، وصولاً إلى نقد ولو عرضي لمجتمع فرنسي بدأ يخرج من المواجهة الديغولية / التغيرية أو الإنتظامية/الفوضوية-الثورية (خلال الستينات وبداية السبعينات)، إلى نوع من تطبيع مجتمعي جديد وغامض بدأت ملامحه تظهر في انكفاء الموجة الجديدة من جهة، وعدم العودة إلى كلاسيكيات الخمسينيات من جهة أخرى.

كانت فكرة سوتيه في بداية أعماله بسيطة جداً ونكاد أن نقول أنها تمثلت بوصف لمرحلة ما بعد هذا الحلم أو الأمل التغييري الذي لم يحصل. فقد تطرق المخرج الى تخبط الفرد بشكل عام من خلال تصوير حيرة وشكوك وخوف الفرد البرجوازي في مجتمع السبعينيات. وتجدر الاشارة الى ان العلاقات الغرامية الصعبة الكامنة في اساس أعمال سوتيه، تتشابك مع الإفلاس والفشل كما في (Vincent, Francois, Paul et les Autres)، وتتجلى في حالة هوس تصل إلى حد الجنون كما في (Cesar et Rosalie)، أو ترسم حيرة رجل ضائع بين امرأتين - أو كما يحلو للبعض بين مجتمعين

في (Les Choses De La vie).

بشكل عام فإن أعمال سوتيه في بداية السبعينات ومنتصفها تتضمن نقداً مبطناً لمجتمع أصبح استهلاكيا شيئاً فشيئاً. مجتمع أصبح يضيق حتى على أعناق رموز البرجوازية ويخنقها كالطبيب والكاتب والصناعي
(من
Les Choses De La vie إلى Mado). من تلك النقطة يكمل سوتيه تلك اللوحة الوصفية في مجمل أعماله خلال السبعينات ليعود ويضيف إليها في أعمال الثمانينات والتسعينات شيئاُ من السكون المشهدي، من النظرات المعبرة ومعضلة التلاقي والتفاهم بين الأجيال المختلفة كما فعل في (Un Mauvais Fils; Nelly et Monsieur Arnaud).

يصح القول بأن العنصرين الأساسيين في كل أعمال سوتيه يندرجان في وصف دقيق لأفراد وأشخاص يشعرون باستياء داخلي لا يستطيعون تحديده أو تعيينه - هل هو الشعور بالاستياء من الحياة؟ - ونقدٍ مبطن لمجتمع لا يزال يبحث عن هوية ما في دينامية النموذج الإستهلاكي القاسية، ليس فقط للطبقات الأقل حظاً، بل أيضاً للبرجوازية الميسورة التي تقع في صميم الدورة الإستهلاكية اليومية وتعتبر صمام المجتمع الفرنسي الحديث.

إن الجدل حول أعمال سوتيه لا يزال قائماُ إلى حد الآن. ولا يمكن إنصاف هذا المخرج المبدع الا من خلال الإعتراف بأهمية أعماله في السينما الفرنسية المعاصرة ومن خلال الإبتعاد عن التصنيفات غير المجدية والفارغة من أي نقدٍ بناء.

اعمال كلود سوتيه جعلت منه اليوم نهجاً سينمائياً يفتخر بعض المخرجين المخضرمين والشباب مثل أنيس جاوي وميشيل دوفيل وسيدريك كلابيش وغيرهم بالإنتماء إليه.