وان عدتم الى فترة 7-9 ايار 2008، ربما تذكرتم (وهنا ذاكرتنا، نحن الشباب، "ادبية"، "كتابية"، و"سماعية") انتفاضة او عملية "توحيد البندقية " التي شنّها بشير الجميل في 7 تموز 1980 وحسمها بسرعة فائقة، وكان في حينه فَرض المنطق الحربي شر لا بد منه .
وبين اغنية "وعد يا لبنان" التي انشدتها باسكال صقر لذكرى الرئيس بشير الجميل بعد اغتياله في 14 أيلول 1982 في بيت الكتائب في الاشرفية، وبين وعد السيد حسن نصر الله الصادق في صيف 2006 وادٍ ضبابي(2).
كان بشير الجميل شابا صاحب كاريزما ورجلا مؤمنا يُحب صليبه الخشبي البسيط على حائط عرفته وهو ايضا كان يبعث رسائل دعم معنوي وروحي الى رجاله في ساحات التدريب والقتال، مكتوبة بخط يده، ولو باللغة الفرنسية. وهو الذي فُجع بابنته "مايا"، وهو شخصية قيادية ومقاومة (بالمفهوم "المسيحي")، متمردة و جريئة والاهم انه كان رجلا عسكريا بكل ما للكلمة معنى، فعندما اراد نقل "الثقل المعرفي" من الغربية الى الشرقية، وضَغط على ادارة الجامعة الاميريكية كي تسمح بفتح فرع في المنطقة المقابلة وجاءه الرد سلبيا، امرَ بشير بقصف ال A.U.B وقُصفت الجامعة، فكان له ما اراد . . .
ومما لا شك فيه ان السيد نصر الله صاحب هالة وهو قائد شجاع وأب لرجاله في الميدان، والوالد الثاكل لـ"هادي" ايضا، وثائر ومدافع شرس عن بندقيته ومقاومته ولبنانه.
كان لبشيرحلم هيولي، غير نهائي، تأرجح بين لبنان وطن قومي مسيحي، ولبنان فدرالي تسيّره وتَقبض عليه المسيحية – اللبنانية، وربما فِكْر جديد ادّى الى اغتياله، فكانت عملية الانتقال من قائد الميليشيا الى رئيس الجمهورية، دموية، قاتلة، فانقلب الحلم الى كابوس .
وللسيد نصر الله مشروعه المتغير ايضا، فحزب الله 1982 لم يعد هو بايديولوجيته المتشددة، بعد اتفاق الطائف، قَبِل الحزب تدريجيا بتعددية لبنان وخصوصيته والاهم بالرغبة بمشاركة الاخر. وكان تتويج هذا التطور او الطفرة في الاتفاق الشجاع بين حزب الله والتيار الوطني الحر في الـ2006 .
اتذكّر صديقي في الجامعة اليسوعية ببيروت عندما كان يُطلق على بشير لقب""Saint Bach، اي " القديس بشير"، نعم فهو ايقونة لشريحة من اللبنانيين، وبالمقابل فان للسيد نصر الله من يوشك على تقديسه ولو بالمعنى الوطني، السياسي والقومي (ناهيك عن البعد الديني)، فهو الذي قاد الانتصار في الـ2000 و الـ2006 و صدَق بعهوده في الـ2008 .
وفي الختام نقول بأن بين الاضداد (3) بشير الجميل – حسن نصر الله، علاقة دياليكتيكية، بل توليدية (مايوتيكية)، فحزب الله (4) وُلد من رحم اجتياح واحتلال اسرائيل للبنان، فبدأ حلم جديد من حيث انتهى حلم اخر، وانتقلت الشعلة من ساعد الى ساعد اخر، والبندقية من كتف الى كتف مخالف ومختلف، واتخذ النضال دربا جديدا وشكلا جديدا وانعطف قطار التاريخ (؟) (5) قال "بشير" : "نحن قدّيسو هذا الشرق وشياطينه"، فكان قولا "حسنا"!
(1) تجدر الاشارة هنا الى ان القرار اتُخذ بالرغم من اعتراف" القوات" الضّمني باتفاق الطائف، فهم شاركوا في حكومة عمر كرامة (1990-1992) عبر روجيه ديب، و هي الحكومة الاولى من "عهد الوصاية السورية"، مع ان ذلك لم يكن حال حزب الله الذي لم يسمح له بدخول " السُلْطة " الا بعد اعادة انتشار الجيش السوري في الـ2005 التي ما لبثوا ان انسحبوا منها في 26 نيسان الـ2005 ـ لكن ما لم يحصّن القوات من الانقلاب عليهم في الـ 1994 كذلك الحال لم يحصّن حزب الله في الـ 2008.
(2) ولعلّ الشخصية الرئيسية التي حاولت مد جسر فوق هذا الـ no man's land الموحش هي الرئيس رفيق الحريري، لكن محاولة تقريب الاضداد امر شبه مستحيل، فأُغتيل الرئيس، لكن لبنان كان وفيا فانتفض.
(3) استطرادا، تبيّن لي مع الوقت بأن اللبنانيين يحبّون وطنهم كثيرا (كلّ على ليلاه طبعا)، ولكنهم يكرهون بعضهم كثيرا، ولربما تلك هي الاشكالية الشغوفة المتفجرة في علاقة الحب والكره هذه !
(4) اما في ايار 2008، فبرر حزب الله هذه "العملية الجراحية الضرورية " وهذا "الاستئصال الموضعي للورم الخبيث"، باعادة الوطن الى سكته الطبيعية والتاريخية . . . وهكذا كان.
(5) فهل للتاريخ اتجاه وخط واحد، حتمي، قدري، ام تشعبات افتراضية؟





