خالد برّاج

كرّست الإنتخابات النيابية عام 2005 العماد ميشال عون كزعيمٍ أوحد للمسيحيين، وهو أمرٍ متّفق عليه إذا ما راجعنا نتائج الانتخابات في تلك الفترة و التي أفرزت أغلبية للجنرال في الوسط المسيحي قاربت الـ 70 % من أصوات الناخبين المسيحيين بمجمل طوائفهم.
كانت ردّة فعل الناخب المسيحي آنذاك شبه متوقّعة وجاءت نتيجة حلفٍ رباعي عجائبي بين حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي. أحسّ الناخب المسيحي أنّه مطعون في كرامته و خياراته وأنّ مسيحيي 14 أذار قد خانوه بمباركتهم لتحالفٍ لا يعود بالفائدة عليهم ويجعلهم أسرى تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي إضافةً إلى حزب الله المختلف معهم اجتماعياً وثقافياً وسياسياً.
صوّت الناخب المسيحي بكثافة للوائح الجنرال وأعطاه تفويضاً مطلقاً لم يحصل عليه أحد من قبله، لا بيار الجميل المؤسِّس في عزِ صرخة الكتائب وعنوافنها المسيحي، ولا كميل نمر شمعون في عزِ شعبيته وامتداده الشعبي والوطني بين مختلف الطوائف.
لكن ما الذي حصل بين حزيران 2005 وحزيران 2009؟
العنوان الأساسي لتلك المرحلة هو التغيّر التدريجي في مزاج الناخب المسيحي خلال أربع سنوات، وهذا التبدّل لم يأت وليد صدمةٍ معيّنة أو حدثٍ بحدِ ذاته بل جاء ثمرة سياسات وخيارات واضحة اعتمدها الجنرال والتيار الوطني الحر هي بالأساس غريبة عن التوجهّات التاريخية والسياسية للناخب المسيحي.
كانت الشرارة الأولى في توقيع ورقة تفاهم مع حزب الله في شباط 2006 غايتها حماية المسيحيين وتبديد مخاوفهم حيال حزب الله، خصوصاً في المواضيع الحسّاسة و المتعلِقة بسلاح المقاومة والدولة الإسلامية والعلاقة مع سوريا.
أحسّ بعض الناخبين المسيحيين أنهّم خدعوا خصوصاً أنّ ورقة التفاهم في مضمونها اعترفت للحزب بحق المقاومة المسلّحة حتى تحرير ما تبقّى من الأراضي اللبنانية، وهو أمرٌ كان يعتبره الجنرال مرفوضاً ومستهجناً تماماً في خطابه وأدبياته السياسية خلال فترة الانتخابات وما قبلها.
و كرّت السبحة...
المساهمة بشكلٍ فعّال بتعطيل عملية انتخاب رئيس جديد للجمهورية على أثر انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، والمعلوم أنّ رئاسة الجمهورية هي المركز الرسمي المسيحي والماروني الأول في لبنان وبه يعتزّ مسيحيو لبنان ويتطلعون إليه من اجل تثبيت مكانتهم وتعزيز دورهم واستعادة ما فقدوه من نفوذٍ وقوى خلال حقبة الوجود السوري في لبنان الذي أبعد ممثليهم الفعليين عن مراكز القرار في الدولة اللبنانية.
استعمال حزب الله لسلاحه في الداخل يوم 7 أيار 2008 (بغض النظر عن المسبِبات و تأويلات قيادة حزب الله) أزعج وأخاف هذا الناخب المسيحي، أحسّ الناخب المسيحي بخطرٍ على "مجتمعه" و"أمنه" و لم يقتنع بتوصيف أمين عام حزب الله السيِد حسن نصرالله وتبريرات "زعيم المسيحيين الأوحد" ميشال عون خصوصاً المتعلِقة بأنّ ورقة التفاهم هي التي حمت هذا "المجتمع" يوم 7 أيار.
الزيارة التاريخية لسوريا في كانون الأول / ديسمبر 2008 والتي استفزّت جمهوراً عريضاً من ناخبي الجنرال، وهذا الاستفزاز، أتى نتيجة إحساس الناخب المسيحي أنّ الجنرال أعطى الكثير لنظام الأسد الإبن من دون مقابل، فمن تغييره لمصطلح "المخطوفين من قبل أجهزة المخابرات السورية خلال فترة الحرب وما بعدها" إلى مصطلح جديد "مجرّد مفقودين أو متّهمين بجرائم عادية لدى السلطات السورية"، إلى تكريسه مبدأ "عفا الله عن ما مضى" في وصف حرب تحريره مع الجيش السوري ودخول الجيش السوري إلى مناطق "الشرقية" والتنكيل بضباط الجيش والاعتداء على البيوت والآمنين، مروراً بتبرئة النظام السوري و حلفائه (معظمهم حلفاء ميشال عون الآن) من تهمة الفساد و الهدر ومحاولة إلصاقها كلِياً بسياسات الحكومات الحريرية المتعاقبة خلال التسعينات... كل ذلك أدّى شيئاً فشيئاً إلى أن يبتعد الناخب المسيحي عن خياره الانتخابي السابق.
التطاول المنهجي والمبرمج على البطريركية المارونية وبالتحديد على شخص البطريرك صفير واتهامه في السر والعلن بالانحياز إلى قوى 14 أذار ووصفه بنعوتٍ مسيئة أثارت حفيظة الشارع المسيحي يشكلٍ عام.
الهجوم المركّز على رئيس الجمهورية من قبل الجنرال وحلفائه في الفترة الأخيرة ووصفه بالطرف بدل الحكم والهمس من قناة تقصير ولاية الرئيس "الماروني" في حال فوز المعارضة في الانتخابات النيابية.
إضافةً إلى كميةٍ هائلة من فبركة الأخبار والتطاول على معظم السياسيين (حتى الحلفاء منهم) والتعرّض بكلامٍ نابٍ ومعيب لصحافيين وتهديد وسائل إعلام مقروءة ومرئية، وتبرئة الضباط الأربعة من جميع ما اقترفوه من قمعٍ وافتراءٍ وترهيبٍ (معظمها بحق مناصري الجنرال) خلال فترة تولّيهم مهامهم الأمنية والمخابرتية.
لكن ميشال عون لم يخسر انتخابات 2009 بعدد مقاعد مجلس النواب بل خسرها فقط في السياسة وبالمفهوم الطائفي للتمثيل الشعبي...
لم يخسرها في عدد النواب لأنّ وثيقة تفاهمه مع حزب الله أمّنت له المقاعد في بعبدا وجبيل وجزين حيث صوت حزب الله كان مدوِياً. تحالفه مع حزب الطاشناق ومغتربيه أنقذه في المتن الشمالي، وكسروان أنقذته في اللحظات الأخيرة وبفارقٍ ضئيل عن منافسيه بعدما أعطته أصواتها وروحها في الانتخابات الماضية...
أمّا في السياسة فإنّ الجنرال قد خسر كثيراً...
الجنرال خسر في السياسة لأنّه خسر رهان فريق المعارضة عليه بتحقيقٍ نصرٍ تاريخي في عدد المقاعد ونسبة التصويت المسيحي المؤيد له...
الجنرال خسر في السياسة لأنّه أصبح الأن تحت رحمة حلفائه كحزب الله و حزب الطاشناق الذّيَن شكّلا رافعة انتخابية له...
الجنرال خسر في السياسة بالتّدني القياسي في نسبة التصويت المسيحي للوائح الإصلاح والتغيير.
الجنرال خسر في السياسة لأنّه لم يعد يستطيع القول بأنّه "زعيم المسيحيين الأوحد"...
الجنرال خسر في السياسة لأنّه لم يعد يستطيع اتهام الأكثرية بأنّها أكثرية وهمية أو عابرة...
الجنرال خسر في السياسة لأنّ تحالف المعارضة ظلّ أقلّية و تحالف 14 آذار ظلّ أكثرية...
و لأسباب كثيرة و متشعِبة منها ما يُقرأ في السياسة ومنها ما يقرأ في الطوائف والمذاهب وتموضعها السياسي والاجتماعي.
وعليه فإنّ السؤال الواجب طرحه اليوم أصبح واضحاً وبحاجة إلى جوابٍ عاجل من قيادة حزب الله: ما مصير وثيقة التفاهم بعدما فقد الجنرال لقب "زعيم المسيحيين الأوحد"؟
كانت ردّة فعل الناخب المسيحي آنذاك شبه متوقّعة وجاءت نتيجة حلفٍ رباعي عجائبي بين حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي. أحسّ الناخب المسيحي أنّه مطعون في كرامته و خياراته وأنّ مسيحيي 14 أذار قد خانوه بمباركتهم لتحالفٍ لا يعود بالفائدة عليهم ويجعلهم أسرى تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي إضافةً إلى حزب الله المختلف معهم اجتماعياً وثقافياً وسياسياً.
صوّت الناخب المسيحي بكثافة للوائح الجنرال وأعطاه تفويضاً مطلقاً لم يحصل عليه أحد من قبله، لا بيار الجميل المؤسِّس في عزِ صرخة الكتائب وعنوافنها المسيحي، ولا كميل نمر شمعون في عزِ شعبيته وامتداده الشعبي والوطني بين مختلف الطوائف.
لكن ما الذي حصل بين حزيران 2005 وحزيران 2009؟
العنوان الأساسي لتلك المرحلة هو التغيّر التدريجي في مزاج الناخب المسيحي خلال أربع سنوات، وهذا التبدّل لم يأت وليد صدمةٍ معيّنة أو حدثٍ بحدِ ذاته بل جاء ثمرة سياسات وخيارات واضحة اعتمدها الجنرال والتيار الوطني الحر هي بالأساس غريبة عن التوجهّات التاريخية والسياسية للناخب المسيحي.
كانت الشرارة الأولى في توقيع ورقة تفاهم مع حزب الله في شباط 2006 غايتها حماية المسيحيين وتبديد مخاوفهم حيال حزب الله، خصوصاً في المواضيع الحسّاسة و المتعلِقة بسلاح المقاومة والدولة الإسلامية والعلاقة مع سوريا.
أحسّ بعض الناخبين المسيحيين أنهّم خدعوا خصوصاً أنّ ورقة التفاهم في مضمونها اعترفت للحزب بحق المقاومة المسلّحة حتى تحرير ما تبقّى من الأراضي اللبنانية، وهو أمرٌ كان يعتبره الجنرال مرفوضاً ومستهجناً تماماً في خطابه وأدبياته السياسية خلال فترة الانتخابات وما قبلها.
و كرّت السبحة...
المساهمة بشكلٍ فعّال بتعطيل عملية انتخاب رئيس جديد للجمهورية على أثر انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، والمعلوم أنّ رئاسة الجمهورية هي المركز الرسمي المسيحي والماروني الأول في لبنان وبه يعتزّ مسيحيو لبنان ويتطلعون إليه من اجل تثبيت مكانتهم وتعزيز دورهم واستعادة ما فقدوه من نفوذٍ وقوى خلال حقبة الوجود السوري في لبنان الذي أبعد ممثليهم الفعليين عن مراكز القرار في الدولة اللبنانية.
استعمال حزب الله لسلاحه في الداخل يوم 7 أيار 2008 (بغض النظر عن المسبِبات و تأويلات قيادة حزب الله) أزعج وأخاف هذا الناخب المسيحي، أحسّ الناخب المسيحي بخطرٍ على "مجتمعه" و"أمنه" و لم يقتنع بتوصيف أمين عام حزب الله السيِد حسن نصرالله وتبريرات "زعيم المسيحيين الأوحد" ميشال عون خصوصاً المتعلِقة بأنّ ورقة التفاهم هي التي حمت هذا "المجتمع" يوم 7 أيار.
الزيارة التاريخية لسوريا في كانون الأول / ديسمبر 2008 والتي استفزّت جمهوراً عريضاً من ناخبي الجنرال، وهذا الاستفزاز، أتى نتيجة إحساس الناخب المسيحي أنّ الجنرال أعطى الكثير لنظام الأسد الإبن من دون مقابل، فمن تغييره لمصطلح "المخطوفين من قبل أجهزة المخابرات السورية خلال فترة الحرب وما بعدها" إلى مصطلح جديد "مجرّد مفقودين أو متّهمين بجرائم عادية لدى السلطات السورية"، إلى تكريسه مبدأ "عفا الله عن ما مضى" في وصف حرب تحريره مع الجيش السوري ودخول الجيش السوري إلى مناطق "الشرقية" والتنكيل بضباط الجيش والاعتداء على البيوت والآمنين، مروراً بتبرئة النظام السوري و حلفائه (معظمهم حلفاء ميشال عون الآن) من تهمة الفساد و الهدر ومحاولة إلصاقها كلِياً بسياسات الحكومات الحريرية المتعاقبة خلال التسعينات... كل ذلك أدّى شيئاً فشيئاً إلى أن يبتعد الناخب المسيحي عن خياره الانتخابي السابق.
التطاول المنهجي والمبرمج على البطريركية المارونية وبالتحديد على شخص البطريرك صفير واتهامه في السر والعلن بالانحياز إلى قوى 14 أذار ووصفه بنعوتٍ مسيئة أثارت حفيظة الشارع المسيحي يشكلٍ عام.
الهجوم المركّز على رئيس الجمهورية من قبل الجنرال وحلفائه في الفترة الأخيرة ووصفه بالطرف بدل الحكم والهمس من قناة تقصير ولاية الرئيس "الماروني" في حال فوز المعارضة في الانتخابات النيابية.
إضافةً إلى كميةٍ هائلة من فبركة الأخبار والتطاول على معظم السياسيين (حتى الحلفاء منهم) والتعرّض بكلامٍ نابٍ ومعيب لصحافيين وتهديد وسائل إعلام مقروءة ومرئية، وتبرئة الضباط الأربعة من جميع ما اقترفوه من قمعٍ وافتراءٍ وترهيبٍ (معظمها بحق مناصري الجنرال) خلال فترة تولّيهم مهامهم الأمنية والمخابرتية.
لكن ميشال عون لم يخسر انتخابات 2009 بعدد مقاعد مجلس النواب بل خسرها فقط في السياسة وبالمفهوم الطائفي للتمثيل الشعبي...
لم يخسرها في عدد النواب لأنّ وثيقة تفاهمه مع حزب الله أمّنت له المقاعد في بعبدا وجبيل وجزين حيث صوت حزب الله كان مدوِياً. تحالفه مع حزب الطاشناق ومغتربيه أنقذه في المتن الشمالي، وكسروان أنقذته في اللحظات الأخيرة وبفارقٍ ضئيل عن منافسيه بعدما أعطته أصواتها وروحها في الانتخابات الماضية...
أمّا في السياسة فإنّ الجنرال قد خسر كثيراً...
الجنرال خسر في السياسة لأنّه خسر رهان فريق المعارضة عليه بتحقيقٍ نصرٍ تاريخي في عدد المقاعد ونسبة التصويت المسيحي المؤيد له...
الجنرال خسر في السياسة لأنّه أصبح الأن تحت رحمة حلفائه كحزب الله و حزب الطاشناق الذّيَن شكّلا رافعة انتخابية له...
الجنرال خسر في السياسة بالتّدني القياسي في نسبة التصويت المسيحي للوائح الإصلاح والتغيير.
الجنرال خسر في السياسة لأنّه لم يعد يستطيع القول بأنّه "زعيم المسيحيين الأوحد"...
الجنرال خسر في السياسة لأنّه لم يعد يستطيع اتهام الأكثرية بأنّها أكثرية وهمية أو عابرة...
الجنرال خسر في السياسة لأنّ تحالف المعارضة ظلّ أقلّية و تحالف 14 آذار ظلّ أكثرية...
و لأسباب كثيرة و متشعِبة منها ما يُقرأ في السياسة ومنها ما يقرأ في الطوائف والمذاهب وتموضعها السياسي والاجتماعي.
وعليه فإنّ السؤال الواجب طرحه اليوم أصبح واضحاً وبحاجة إلى جوابٍ عاجل من قيادة حزب الله: ما مصير وثيقة التفاهم بعدما فقد الجنرال لقب "زعيم المسيحيين الأوحد"؟