Friday, December 5, 2008

الجهاد يتألق في مجتمع علم الكلام

وائل عبد الرحيم


تنتشر في العالم موجة خوف واسعة من الإرهاب الإسلامي المتمثل في عنف الجماعات والتنظيمات الإسلامية المسلحة الذي يطال اهدافاً مدنية وغير مدنية تحت مسميات الجهاد. لست هنا بوارد نقاش موسّع لـ"الفكر الجهادي" او تحليل جذوره ومشروعيته.
برأيي، وبكل بساطة، إن مشروعية "الجهاد" هذا تسقط فوراً بمجرّد مقارنة بسيطة بين منظومة القيم التي يحملها وتناقضها مع أبسط القيم الإنسانية المتعارف عليها من حرية وعدالة ومساواة.
ولا أقيم اعتباراً لقيمتي الخير والفضيلة التي يحاول الفكر "الجهادي" الإسلامي ان يستبطنها، فهاتان القيمتان بالتحديد كانتا ايضاً في صلب العقائد الفاشية التي عرفها التاريخ الحديث.
كذلك لا اعير اهتماماً كبيراً لقيمة "الأصالة" التي يروّج "الجهاديون" لها في عالمنا العربي والامتداد الإسلامي، فلست اعترف بغير أفكار الأنوار والتحديث حتى في الدين، واقول ذلك وانا اشدّدّ على علمانيتي غير القابلة للتصرف او المساومة مع احترامي الكبير للفكر الديني المتنور الذي يقبل الفكر الآخر ويحاوره على قاعدة الانتماء المشترك إلى القيم الكبرى وإلى الانسانية.
ومع هذا أجدني مدفوعاً إلى محاورة تاريخية للأصالة الحقيقية وإن لم أكن في موقع المتبني الكامل لها، ولا في استخدامها لغة للكتابة. تشدّني أصالة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وأطالع بإعجاب أفكار شكيب أرسلان في إصلاح الخلافة الإسلامية ضمن دولة دستورية حديثة.. فأُعجب بالأصالة الأصيلة دون ان أتبناها مقدار استهجاني للفاشية الحديثة المقتبسة من طلائع القمصان السود والخضر في أوروبا ومن تطرف جماعات التتريك الثقافي القومي في بداية القرن العشرين.
وأنا استعيد هذه المقاربة بين الفاشية الأوروبية ونسختها التركية، وكذلك العربية، وبين الأصالة في الفكر التجديدي الديني وغير الديني، أذهب الى اعتبار الجهاد بمفاهيمه الحالية أحد اقذر التعبيرات عن انحدار مفاهيم الانتماء الثقاقي والقومي والديني.
ولئن كنت أشدّد على آنية هذا الوصف لمفهوم الجهاد، فهذا لأن الكثير من صرخات الثورة الوطنية في مشرقنا العربي كانت "حيّا على الجهاد" في مواجهة مستعمر من هنا وآخر من هناك. هكذا أسمعها في صرخات فرسان جبل العرب تحت راية الدرزي سلطان الأطرش، او في صولات رجال جبل العلويين بزعامة ابراهيم هنانو، او في جهاد عزالدين القسام في فلسطين التاريخية.
أما المفهوم الحالي لـ"الجهاد" المفتوح ضد "اعداء الله والمسلمين" فهو يأتي في زمانه ليتوجّ الانحدار المتوالي في الفكر القومي والديني على حدّ سواء.
ويجب ان أضيف أن تطرفي في الحكم على الفكر الجهادي ليس نابعا من لجوء اصحاب هذا الفكر إلى العنف لتحقيق اهدافهم فحسب، فلم يكن العنف وحده هو القاعدة الرئيسية لتظهير المواقف من الجماعات والأفكار والسلوكيات المختلفة.
والقائل إن "الإرهاب" الإسلامي جاء في التاريخ الحديث تتويجاً لما سبقه من إرهاب شيوعي، أحاججه بأن العنف كان دائماً سلوكا وممارسة متجذرة في صلب الحركات السياسية إلى اي اتجاه انتمت، ولست مجبراً على تعداد الوقائع والأحداث التاريخية فيمكن لأي باحث جادّ ان ينجز هذا العمل. لكن المعيار في قياس الحركات السياسية ليس في استخدامها للعنف وطبيعة هذا الاستخدام فحسب، على اهمية ذلك، بل المشروع الذي تحمله.
والحال ان الإرهاب الإسلامي حتى قبل ان يفجرّ براكين الدماء يحمل مشروع الإرهاب نفسه دولةً شموليةً متأخرةً في انتمائها إلى الحداثة، دولة قروسطية تحتكر الحقيقة وتفرض احادية الدين وتبشرّ باللامساواة بين "المؤمنين والكفّار" وتفترض سلفاً بعصمة الأمير أو الجماعة لا فرق.
دولة قانونها قطع الرقاب والأيادي، دولة ترجم العشّاق، عدوّة للتراث، وتسكت الأصوات، ولا فرق إن كانت هذه الدولة في محور الشرّ أو من دول الاعتدال.
إنها دولة - أيديولوجيا متأخرة حتى عن الفاشية الأوروبية التي تستبطن حداً أدنى من الانتماء إلى التاريخ الحديث والسعي إلى الازدهار والبعد عن الغيبية، على الأقل في تمظهرها الأدبي.
ما أناقشه هنا، بالتحديد، ليس فقط تعارض الفكر "الجهادي" مع القيم الإنسانية المتعارف عليها والمقبولة والسائدة، بل الخلايا النائمة لهذا الفكر، النائمة في لبوس سلمي مهادن، والبيئة الثقافية والتربوية التي تشجعه.
فأحد أبرز الأخطار التي يواجهها العالم الإسلامي هو سيطرة الفاشية الإسلاموية على نظام التربية وجهاز الدين الرسمي والادوات الثقافية للإسلام السياسي.
لهذه السيطرة تجليات عديدة، ربما أبرزها مناهج التعليم في العديد من الدول العربية، والتي تحوي ثوابت خطيرة منها أن الأصل في الانتماء هو لدين الإسلام، وأن ما عدا ذلك ضلالة، وأن المسلمين هم الناجون من النار، والآخرون مشركون يجب إما هدايتهم او تنظيم وجودهم، وأنه حتى في الإسلام توجد فرقة ناجية والآخرون على ضلال أيضاً... الخ..
وهذا اساس التربية الإسلامية التي تدرّس وتلقن لملايين اطفال العرب، ولمن لا يصدّق فليراجع مناهج التربية في دول الخليج والأردن وحتى في مصر التي أسهم دعاتها الهاربون من الناصرية في تزويج "حركية" حسن البنا إلى سلفية أحفاد الشيخ محمد بن عبدالوهاب.
بعد المدرسة، توجد ادوات السيطرة الثقافية الأخرى، وهي لا تقتصر على الأجهزة الدينية الرسمية، بل تمتد إلى وسائل الإعلام والثقافة والنشر فتكثر الفضائيات الدينية، والبرامج الدينية، وتنبري فضائيات إخبارية مهمّة لنقاش ما كان من خلاف بين علي وعمر بذريعة الإشكال الحالي الذي يسببه الاشتباك السياسي بين السنّة والشيعة.
في كل ذلك يتألق هذا النوع من الجهاد القاتل، ويأخذ بريقه من نقاشات قروسطية يدّعي من يحتضنها انها الغالبة على مجتمعاتنا المحافظة ناسياً ان التدين بشكله الحالي هو الطارئ وليس الأصل، واعني بذلك التديّن العدائي الشمولي الذي يدّعي امتلاك الحقيقة ويغلّب الانتماء الديني على غيره من ولاءات وطنية واجتماعية وثقافية.
ويتألق الجهاد القاتل في أجواء مؤتمرات حوار الاديان التي تنظمها دول تمنع حرية العقيدة حتى ضمن الطائفة الواحدة، ويتبارى العالم للّحاق بفتاوى طلاب الفقه وعلم الكلام التي هي أيضاً انحدرت فبتنا نسمع الجدل حول جواز إرضاع الموظفة لزميلها الموظف حتى يحلّ لها العمل معه في مكان واحد، او النقاش العقيم والتحايلي بشأن الدعارة المنظمة تحت مسميات المسيار أو زواج السفر أو السياحي.
ويتألق الجهاد القاتل في مجتمع مثقفي الشاشات والصحف فينقاش نظريات تردّ أسباب الأزمة الاقتصادية العالمية إلى التفسيرات الغيبية ونظريات نهاية العالم وقرب القيامة أو الحشر.
في ظل هذه الموجة من المصطلحات والنقاشات القروسطية، والتي تكثر فيها تعابير الحلال والحرام، يتألق الجهاد بمفهومه المدّمر، ويجد مشروعيته المدّعاة.
وفي ظل هذا السيل الجارف من إقحام الغيبيات في كل شيء يصبح من الطبيعي جدّاً أن يبرز الجهاد كمحصلة طبيعية لسيطرة الفكر الديني القروسطي على مختلف أوجه الحياة، فيحرّف أولويات الإنسان العربي ويصبح تعبيراً عن ضياع الهوية السياسية والاجتماعية، وممراً لمختلف أنواع الاختراقات والتوظيف السياسي والأمني.
الجهاديون الحاليون ليسوا حالة غريبة عن مجتمع علم الكلام، بل هم تطور طبيعي له، وهم حماته، وحراسه، وطلائعه المسلحة.

No comments: