Tuesday, December 7, 2010

"اتركوا شجرة واحدة لحبل مشنقتكم"

داليا عبيد



"اليوم حريق وغداً غريق والحكومة في إجازة شهود الزور" هو أحد الشعارات التي رفعها صديق عزيز لي على صفحة الفايسبوك. أول عبارة قالها لي عندما سألته عن أحواله: انه بخير، ما زال صامدا في لبنان ويستخدم هذه الشبكة الالكترونية "لفشّ الخلق". لم أريد أن أتطفل عليه أكثر وأسأله عما يدور في باله من أفكار تضعه في دائرة المتأففين ولكني فهمت الجواب من العنوان ورسمت له صفحة أسباب تقهره بسبب تماسه المباشر معها وتقهرني بسبب بعدي عنها والتماسي اليومي لها عبر صفحات الصحف الصادرة في بيروت.

سوف يبدأ صديقي من أخبار اليوم الطازجة ليخبرني بأن لبنان كله كان على موعد البارحة مع الحرائق الطبيعية التي حرقت قلوب الناس على رزقهم وعلى المواسم الضائعة أصلاً. سيضغط على أحرف حاسوبه ليقول لي بأن الغصة عمت في قلبه على "ذهب" لبنان الأخضر الذي يقضم سنة بعد سنة وبأن دموعه جفت في عينيه وهو يبتهل المطر الذي تأخر. سيفكر قليلاً ويعود ويقول لي بأن كتاب التاريخ اللبناني لم يكن الوحيد المخيب لأماله المتسعة بل انضم إليه اليوم كتاب الجغرافيا الذي خذله وتمرد على معلوماته حول مناخ لبنان وطبيعته ومياهه العذبة !

سأسأله عن دور الحكومة، سيجيبني بأنها غاشية وغائبة في كوما القرار الظني وبأنها غير مبالية حتى بيومياتنا. ومن ثم سوف يبدأ ليقول لي بأننا تحولنا إلى أشباه أحياء، بأن المسارح والمقاهي وصالات السينما وملاعب الفوتبول قد أسقطت من ذاكرتنا ومن حساباتنا، بأننا لم نعد نخرج حتى للعشاء في الخارج لأن القدرة الشرائية قد هزلت مرة واحدة، بأننا ما زلنا نشم رائحة الشعر المحترق كما شممناه منذ عشرين عاماً عند انكبابنا على احد الكتب للدراسة أو للقراءة على ضوء الشمع الأبيض ذاته الذي نعرفه منذ أيام الحرب الأهلية، بأننا ما زلنا نخرج لشراء المياه المعبأة للشرب وبأننا عدنا لشراء مياه الاستعمال أيضا، بأننا ما زال نقدم الشهداء بالرغم من الاستقرار المؤقت، نقدمهم ذبيحة لإله السرعة والتهور، بأننا ننتظر حرباً وبأننا اعتدنا على تجهيز أمتعتنا فقط في أوقات الحروب أو في الساعات التي تسبقها. سأسأله إن كان بخير، إن كان يشكُ من أمراض، سيقول لي لم نعد نعرف ماذا نأكل وماذا نشرب وماذا نتنفس ولا أريد أن اعرف إذ كنت بخير أو لا، لا أملك مالاً كافياً لهذا النوع من الكماليات! سأسأله عن أخبار الأصدقاء المشتركين، سيقول لي بأن الطريق إلى مطار بيروت سالكة حاليا وبأنه يودع يومياً الطامحين إلى النفاذ بجلدهم، كما فعلت أنت تماماً، وقد اعتاد على ذلك منذ سنوات مراهقته .

سأسأله عن الناس وعن الأفراح والأعياد، سيقول لي بأنه احتفل بعيد البربارة مؤخراً وبأنه "هشل" مع الناس مقنعاً بوجوه الرؤساء والوزراء والنواب.

سأسأله عن صديقته الجميلة وعن علاقتهما وعن زواجهما المحتمل، سيضحك كثيراً ويقول لي أن بمقدورهما شراء حائط أو أكثر بقليل، وبأن "الموعد مرجأ كالمطر" يا صديقتي.

سأتوقف، سأتنهد، سوف أحزن وقد لا تجف دمعتي. سوف أعود واكتب له واسأله عن أخبار الحرائق المائة والعشرين، لن يجيبني مباشرة بل سيكتب شعاراً جديداً على حائطه المجاني يودعني به قبل أن يخلد إلى النوم في هذه الليلة السوداء. باحتراق متجدد وبصرخة مبحوحة تصل اليَ، حيث أنا في هذه البلاد الباردة، سيقاوم نعاسه ويقول لي ولجميع الرواد على الصفحة الالكترونية:

"اتركوا شجرة واحدة لحبل مشنقتكم".


 

1 comment:

Somar said...

أعيش بشكل يومي هذا النوع من الأفكار..
كلما ما تكلمت مع أحد الأصدقاء القدامى لأرى أنه منذ سنوات لم يتغير شيء هناك وكأن الزمن توقف.. ولم يعد هناك معنى لأي شيء..

أود أن أكتب عن ذاك الشعور كثيراً.. وأتراجع عندما أفكر لحظة أن أحداً هناك من اللذين مازالوا صامدين -لعدم توفر خيار آخر- سيقرأ ما أكتب..