Tuesday, May 3, 2011

"الشعب السوري واحد "


داليا عبيد_باحثة

لم يشأ الشعب السوري البقاء بعيداً عما أصاب أو يصيب المنطقة من تحولات ولم يَرْضَ أن يبقى مكتوف الأيدي عن إعادة رسم تاريخ جديد للعالم العربي. فانتفض هذا الشعب مثلما انتفض قبله الشعب التونسي، مطلق الشرارة الأولى في عام 2011 ومن بعده الشعب المصري والليبي واليمني والبحريني. دمر السوريون الشجعان مملكة الصمت بعد عقود من الإذلال والخوف والبطش والحرمان وإتباع نظام البعث سياسة التدجين ، سياسة أسفرت عن تجذر الرعب في أنفس السوريين مقيمين في الداخل أو مغتربين في الخارج لدرجة السكوت التام أمام استشراء الفساد والتمييز بين المواطنين واستخدام السلطة القمعية واستمرار الأحكام العرفية وارتكاب المجازر في المدن السورية ومثابرة النظام الجاهدة على الاعتقالات السياسية وإلغاء لكل الحريات العامة والخاصة والسعي الى ترسيخ كل أساليب انتهاك حقوق الشعب السوري المخالف لشرعة حقوق الإنسان خلال أكثر من نصف قرن.

لكن سوريا اليوم ليست كما سوريا الأمس، فقد تحولت طرقاتها وشوارعها وحاراتها وأزقتها وبيوتها إلى مساحات نابضة بدماء التحرر من آداب العبودية . وقد أراد هذا الشعب الذي يعيش حالياً في صلب الحرية الحمراء أن يخرج سوريا من باب الاستثناء وينشلها من غياهب التاريخ ليعيدها إلى داخل السياق العالمي الحالي.

لم يهدأ "نبض" درعا الصامد الذي فتح الجرح على مصراعيه انطلاقا من جنوب الوطن إلى قلبه المنتفض في وجه طغيان البعث. ولم ينبض الشارع السوري وحده في الداخل بل نبضت معه شوارع أجنبية تحتضن مغتربين سوريين هاجروا قسراً أو اختياراً طلباً لعيشة كريمة ضمن إطار ديمقراطيات تعترف تطبيقاً بشرعة حقوق الإنسان. إلى القارتين الأوروبية والأميركية هاجروا، منهم من أتوا للدراسة وبقوا حيث هم ومنهم من هربوا كلاجئين سياسيين بسبب معارضتهم للنظام الحاكم منذ عام 1963 ومنهم من قدموا بطريقة غير شرعية. واعرف الكثير من الذين وصلوا إلى لندن عبر البواخر من "ضيع" اللاذقية وعملوا في العتمة من اجل إرسال الأموال إلى الأهل في ضيعهم الموءودة بأياد قاتلة.

في شوارع باريس شهدت على مظاهرات الجالية السورية التي قررت مع الداخل السوري بأن العودة إلى الوراء مستحيلة.، فنزلوا إلى الشارع نصرة لقضيتهم، نصرة للأمل بالعودة نهائياً إلى أرض وطن لم يولدوا فيه أحراراً ولم يهاجروا منه أحراراً.

لمظاهرات باريس نكهة خاصة ووقفة تأمل استثنائية، ففي السنوات الماضية لطالما دعت المعارضة السورية في العاصمة الفرنسية إلى اعتصامات من اجل إطلاق سراح معتقلي الرأي ومن اجل وقف انتهاك حقوق الإنسان ومن اجل كل الظروف التي تم ذكرها أعلاه والتي لم تتغير , ولكن لم تكن تقتصر هذه النشاطات إلا على حفنة من "يساريين لبنانيين" وعدد قليل من المعارضين السوريين المنفيين حيث تخطى معظمهم عمر الكهولة بالإضافة إلى عدد اكبر من رجال المخابرات المدسوسين وسط الجالية السورية في فرنسا. مما دفع المناضلين السوريين إلى الشعور بعزلة كبرت مع الزمن وهم يصرخون من المهجر ومن داخل ثنايا غرف التعذيب السورية. أما وقد تغيرت المعطيات في المنطقة وفي العالم، فلم يرد السوريون ان تهزمهم العزلة وسط رياح التغيير في العالم العربي، ليتحول صمت الجالية السورية القاسي إلى صيحة غضب مطالبة برحيل السجان. فقد لاحت لمكوناتها تباشير الأمان حين سقط جدار الخوف إلى غير رجعة.

إلى فناء حقوق الإنسان في التروكاديرو الباريسية، وصلت الأعلام السورية وصور الديكتاتور ولافتات تطالب برحيله وبرحيل حاشيته وبالخلاص من المخابرات ولافتات أخرى تريد فتح صفحة جديدة للشعب السوري بكافة طوائفه ومكوناته وبناء دولة حق وقانون. لافتات حملها صبايا وشباب جامعات لم ينقطعوا يوماً عن زيارة سوريا. أتوا ليصرخوا ملأ حناجرهم بأنهم يريدون إسقاط الصمت وفاء للوطن المطعون في عنفوانه. وقد ازدادت أعداد المتظاهرين على مراحل (مع تقدم الوقت) فكلما انتفض بيت جديد في سوريا، ينتفض صوت جديد في باريس ليزيل الغبار عن أوتار حنجرته المتهدجة أمام صرير الزنازين.

لم تكن رؤيتي لتواجد الشباب الكثيف والمتصاعد بالمفاجأة المفرحة الوحيدة بل استمديت سعادتي أيضا من عيون المعارضين السوريين الذين كانوا يستعيدون أحلامهم المسروقة. فلطالما تظاهرت معهم وسط وحدتهم وفي لحظات حزن كانت تجعل مشاركتي فولكلورية لتسجيل موقف في الصبر وانتظار المجهول. في فناء حقوق الإنسان، كان عميد المعارضين السوريين يطير مثل الفراشة موزعاً بيانات الحرية بيديه، يتنقل مزهوا حاضناً عيوننا السعيدة ومثبتاً نظره على هواتفنا التي كانت تنقل الصورة الحية مباشرة من ساحة التروكاديرو إلى الفايسبوك واليوتيوب وعبرهما إلى الداخل السوري والى العالم اجمع.

في فناء حقوق الإنسان، كانت عيون صديقي السوري المنفي زائغة ابتهاجاً. فهو لم يعد يتحدى عيون مدسوسين صاروا قلة وسط الحشود المتزايدة ولم يعد يبحث عنهم كما اعتاد أن يفعل حتى في أوقات تسوقه في شارع الريفولي ولن يعد يفكر أن يفتش مرتبكاً في أرجاء شققنا، كلما أتى لزيارتنا، عن احتمال وجود لأجهزة تنصت وذلك لاعتقاده بان عناصر الأمن السورية قد وصلت حتى إلى مساكن أصدقائه الباريسية.

في فناء حقوق الإنسان، وقف أصدقاء سمير قصير السوريين يتابعون عبر هواتفهم الخلوية أخباراً عن بداية حراك في ساحة الأمويين في الشام. فارتبكت مشاعرهم خلال لحظات مسرعة الخطى. فتراهم يبتسمون، يحزنون، يتنهدون ويشتاقون لرائحة الحرية في عيني رفيقهم الغائب ويتطلعون بشغف إلى أوان الورد الذي حان قطافه في دمشق.

في فناء حقوق الإنسان، ردد سوريون من كل الفئات العمرية ومن مختلف الانتماءات والمشارب صدى الداخل ورفعوا شعاراتهم. صرخوا جميعاً "سلمية سلمية"، هتفوا جميعاً " بدنا دولة مدنية" وشددوا على "واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد" وصرخوا "خلص مخابرات" وتابعوا ب" الشعب يريد إسقاط النظام" الذي صار الشعار_الرمز للثورات العربية.

من هناك، من مساحة تنوعهم، بددوا الوهم الطائفي الذي يرسمه النظام، وهم الأغلبية السنية التي تسعى إلى تقويض دعائم حكم علوي ينفي فكرة تسطيره ضمن إطار الأقليات الحاكمة.

من هناك، طالبوا بعدم زرك قضيتهم الحالية ضمن إطار الصراع العربي الإسرائيلي فنضالهم لا يرتبط أدنى ارتباط بنصرة محور على محور بل بالسعي لتدمير قواعد أنظمة تتشابه في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، هذه الأنظمة التي تعمل بخوف على شد حبال رأس النظام القابع في قصر المهاجرين.

من هناك رسموا صورة لنظام مستبد ترتعد لفكرة سقوطه فرائص إسرائيل المرتاحة لوضع حدودها الشمالية مع سوريا بأيد أمينة، وأكدوا انه ليس باستطاعتهم أن يكونوا مقاومين (إن أرادوا) قبل أن يكونوا أحراراً وديمقراطيين.

من هناك، قالوا لا للانتقائيين الجدد في لبنان وغيره الذين يرفعون انتفاضة ويسقطون انتفاضة زميلة، الذين ينددون بإراقة الدماء الشهيدة في بعض البلدان العربية ويصمتون عن دماء يبدو أنهم استرخصوها في مدن سوريا المشتعلة بنيران السلطات.

من هناك، قالوا لا للسلاح (سلمية سلمية)، رفضوا الممانعة التي تعمل ضد دخول سوريا الى الحاضر ومنه الى المستقبل، وفكروا بشهداء الانتفاضة الراحلين بقلوب نازفة فرددوا صدى كلمات نزار قباني:

"ولو فتحتم شراييني بمديتكم

سمعتم في دمي أصوات من راحوا"

ونظروا متأملين الى دمشق وقالوا:

"مزقي يا دمشق خارطة الذل

وقولي للـدهر كُن فيـكون"





3 comments:

Anonymous said...

What is your programme for the future syria? And what do you respond to the accusations and suspects that some of the rebels against the "dictatorial system" are maneuvered from the outside and whose interest is to weeken if not annihilate Syria's image in the world? Please give a convincing response, because the Syrian government is making many mistakes, but he remains a valid defender of the Syrian dignity abroad, and a valid response against Jewish and Western world attempt to make of Syria a little and unsignificant country servant of the israeli expansionism, and american greed.
In posted video's so many people keep shouting Allah wa Akbar, and then what else? Maybe you should be more clear in your request for change. I agree with anyone that asserts that the moukhabarat in Syria are despicable: maybe one reasonable request and first real step to democracy and freedom is to dissolve this corp that is a cancreen in our country! If the President does not comply in that case I would agree fully with revolutioners. As Syrian abroad I would like to see a constructive alternative in Syria, with real ideas for a better and more free and democratic Syria, but without abandoning decades of fierce opposition to western colonialism and jewish cunning, that will dump our country in unsignificant and materialistic society with no values. I will wait before hailing for any revolutinary movement.
A syrian abroad.

Charbel said...

It's not up to Dalia, or me or anyone to put a programme for Syria, it's up to the Syrian people, and only the Syrian people should decide, by electing their representatives in parliament and president and government. If the ones elected does not do what the people want, the next election he fails, and someone else gets elected. This is how countries in the modern world work. And this is the main reason why Israel defeats Arabs, and why Golan Heights are occupied.
When the president knows that if he doesn't please the people he'll loose the election and go, he'll do his best to be good.
Now, Assad in Syria and other dictators in other places are just stuck to power, and don't care about the people, or fighting Israel, all they care about is staying in power.
In brief, democracy is the only way, or at least the best way we know about.

Ba3l said...

Dear friend,

The article is a note of solidarity with the Syrian people. It is good thing to keep a humanitarian judgement in these troublesome periods. And I hope that when things will calm down, criminals will be judge on the base of human rights standards in an impartial international court.
It is human to prefer the hell you know on the paradise you ignore. Nevertheless, some of your fears are not justified.

First, the Syrian regime pushed the population into “islamisation” when it kept on arresting the freedom seeks anywhere they tried to meet. The only placed left was the mosques under the custody of the imams. As if the regime is trying to transform a liberal opposition to an Islamic opposition in order to justify the oppression.

Second, concerning the relations with Israel, I should rewind you that the Syrian borders are kept silent since many years now. On one hand, no military actions, no guerrillas, not even pacific demonstrations on the borders. On the other hand, no serious will for peace with Israel. As if it is in the interest of the regime to keep the situation unchanged. Imagine The Golan liberated, either peacefully or military, what will justify then Assads’ authoritarian regime? Anyway, only the Syrian people have the right to decide the way they want to treat with Israel why don’t you give them the choice? And if you think that they will adapt the same exact position of Assad that you seem to approve, than, it means, that you don’t have to worry about changing the regime because the next one will adapt the same policy.

Finally, the alternative program for the future Syria is very simple: liberty and democracy. Democracy is a political system where one party can try a solution; if it pleases the public he’ll stay in power, if not they will vote for the opposition. The new majority can try a new policy and the former one will be obliged to come out with new ideas, and so along. We will keep on trying until we find out the good way to go. You apply this to economy, diplomacy, social issues, etc. and you’ll finish buy getting the right solutions. So it is not a matter of “what programme you should use” it is a matter of putting in place a system that produce and apply different ideas under the supervision of the people. This is the base of knowledge, innovation, and evolution.