Monday, May 11, 2009

مواطن، أحزاب، و ألوان

خالد برّاج

أصبح صعباً على أي مواطن شيخاً كان أو شاباً أو امرأة أو حتى طفلاً اختيار ألوان ملابسه، فكل لونٍ أصبح له في هذه الفترة مدلول وتبعية سياسية معيّنة، ولم يعد بمقدور أي مواطن لبناني مقيماً كان أو مغترباً ارتداء قميص برتقالي أو أزرق أو غيره من الألوان إلا وتعرّض لوابل من الانتقاد أو الترحيب، و يمكن حصر هذا الموضوع حالياً على الشكل التالي:

اللون البرتقالي الخاص بميشال عون وتياره الوطني الحر شبه غائب في الشطر الغربي لمدينة بيروت وفي أماكن نفوذ قوى 14 آذار، حتى أنّ غياب هذا اللون عن لبس المواطن اليومي في تلك المناطق أصبح يضاهيه إقدام بعض التجار وأصحاب محلاّت الألبسة و الموضة على عدم استيراد و بيع ألبسة برتقالية! حتى أنني، (وأنا من محبي هذا اللون منذ الصغر)، أصبحت مؤخراً أتجنّب ارتداء قميص أو "تي شرت" لونها برتقالي كي لا أُسأل السؤال نفسه: "شو صاير عوني" أو "ما عيب عليك لبِس أورانج".

اللون الأزرق بجميع درجاته أصبح ملكاً لتيار المستقبل وهو بطبيعة الحال خفيف الوجود في مناطق حزب الله والتيار الوطني الحر وحلفائهم، ويفاخر مناصرو قوى 8 آذار بازدرائهم وعدم ارتدائهم لألبسة زرقاء سماوية بالتحديد لانّ هذا اللون هو رمز سياسات الفساد والسرقة والهدر إلى آخر المعزوفة... على حدّ قول أحد مناصري "حزب الله" الذي مازحني يوماً قائلاً وكنت مرتدياً ربطة عنق زرقاء سماوية "لبسلك غير لون، ضروري هل اللون، سمّيتلي بدني".

اللون الاخضر يتقاسمه أكثر من طرف، فهو بطبيعة الحال محبّب عند أنصار حركة المحرومين أو ما يعرف منذ عشرات السنين بحركة أمل (أفواج المقاومة اللبنانية) وهذا العشق لهذا اللون يشاطره فيه أنصار تيار المردة إنمّا بتفاوت بريق اللون وما أجمل تلك الصورة وأنقاها عندما يتلاقى أنصار الفريقين في مهرجانات و خطب 8 آذار ويتشابك لونا الأخضر المردي والأملي مع بعضهما ليعلنا احتكار اللون تاركين مساحة خضراء صغيرة للجماعة الإسلامية ونادي الأنصار الرياضي.

أصفر المقاومة والشهادة وهو بطبيعة الحال موجود بكثرة في مناطق سيطرة حزب الله وحتى خارج تلك المناطق لأنّه يستمدّ قوته ونفوذه من مالٍ طاهر وسلاحٍ ظاهر وهو إذ تخلّت مجموعة كبيرة من مناصري 14 آذار عن ارتداء لباسٍ بهذا اللون "نكاية بحزب الله" على حدِ تعبيرهم، فإنّ انتقاد أو إبداء الامتعاض من موديل أو تصميم (وليس اللون) قميص أصفر يرتديه مواطن أصبح موضوعاً حسّاساً يُفهم على أنّه انتقاد للحزب وتشكيك بسلاحه و يشكِّل استفزازاًً لمجتمع المقاومة.

أحمر الثورة منقسم على بعضه، فيسار 14 آذار المتنوِع ما زال متمسِكاً بالشعار الأحمر والتيشرت الحمراء رغم الليبرالية التي تنسب إليه ممّا يزيده ازرقاقاً على لونه الاحمر ويجعله أقرب إلى اللون الزهري (إسوةً باليسار الأوروبي)، وحليف 8 آذار أي الحزب الشيوعي الرسمي (المنهمك بالتفتيش عن قواعده) مستاء من قلّة اللون الأحمر في مهرجاناته ولباس محازبيه و ذك لقيام معظم محازبيه بإستبدال اللون الأحمر تارةً باللون بالأصفر وتارةً باللون البرتقالي.

و اللائحة تطول وتطول...

***

عندما قام صديقي رامز بدعوتي إلى حفل عشاء كان يقيمه في منزله منذ بضعة أيام، أصّر على أن يرتدي جميع المدعوين رجالاً و نساءً قمصاناً ولباساً أبيض، لا عجب في الموضوع أنَ مضيفنا العزيز كان يحاول إضفاء نوع من التمايز على حفلته لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ اللباس الأبيض قد جنّبنا ملاحظات من نوع "شو غيرِت، صرت مع عون" وأنقذنا من الدخول في سجالات سياسية عقيمة كانت كفيلة بإنهاء الحفل باكراً.

No comments: